عِبت الكتاب ، ولا أعلم جارًا أبر ، ولا خليطًا أنصف ، ولا رفيقًا أطوع … ولا صاحبًا أظهر كفايةً … ولا أقل إملالًا … وغيبة … وتصلفًا وتكلفًا … من كتاب . ولا أعلم قرينًا أحسن مُوافاة ، ولا أعجل مُكافأة ، ولا أحضر معونة ، ولا أخف مئونة ، ولا شجرةً أطول عمرًا … وأطيب ثمرة … من كتاب. الكتاب صامتٌ ما أسكتَّه ، وبليغٌ ما استنطقته ؛ ومن لك بمُسامر لا يبتديك في حال شغلك ؟ … ولا يُحوجك إلى التجمل له ؟ … ومن لك بزائر إن شئت جعل زيارته غبًّا … وإن شئت لزمك لزوم ظلك؟
الجاحظ
تعكس المكتبات الهوية الثقافية للبلد ، لأنها تؤلف وتسهم بصناعة وتمركز ذاكرة ما مضى من أحداث ومشاهد ومتغيرات ، ومحطة الشروع لما انقضى ، إذ تبدو الكتب كائنات صم بكم خرساء لمن لا يعرف حقيقتها ويجهل كنهها ، لكنها ناطقة غناء لمن قرأها ووقف على أبعاد ما تحمل ، كونها الحاضنة والمستودع الرئيس الذي يجمع المثقفين والقرّاء وطلاّب العلم ، فمعروفٌ للقاصي والداني إنَّ القراءة حاجة قبل أن تكون حرفة ، وهي الغذاء الروحي لكل فرد ، فكل ما يقرأه الإنسان مفيد بلا شك ، وهو خير من يؤكد شخصيته وفاعليته في صناعة الحياة ، كما أنَّ القراءة هي عملية حوار صامت بين القارئ والكتاب .
وفضلاً عمّا تقدّم توفر المكتبة مصادر المعرفة الإنسانية بأنواعها ومختلف صنوفها ، فضلاً عن تقديم الخدمات والمعلومات وعلى مختلف أبوابها وتصانيفها ، وصدق من وصف الكتاب قائلا : (الكتاب لسان اليد ، وسفير العقل ، وعُدة المعرفة ، وهو صلة الناس عند الفُرقة ، وأنس المحدثين على بعد المسافة ، و مستودع السر وديوان الحضارة ) .
وضمن مسح أوّلي أجرته وحدة الإعلام في مركز تراث البصرة التابع لقسم شؤون المعارف الإسلامية والإنسانية في العتبة العباسية المقدسة عن ردود أفعال قرّاء المكتبة الذين يزورون ويترددون عليها ، وينهلون من بطون كتبها ومصادرها التي توزّعت على أروقتها ، وكذلك ممن دّون ملحوظاته وأسباب زيارته ، وقفنا على ردود أفعال متفاوتة ومتباينة تعكس مدى الحس الجمعي الذي يترجم العلاقة بين القارئ والكتاب ، تلك العلاقة العجيبة التي تؤكد المعنى الحقيقي للتوجه إلى الكتاب ، كونه يشكّل منهلاً للدّارس والمتتبع والباحث ، وما تضطلع به المكتبات لأنّها الحاضنة الأمينة للمثقفين والدارسين وطلاب العلم ، إذا ما سلّمنا أنَّ المكتبات هي المؤشر الشاخص الذي يؤلف مكانة الدول الثقافية واهتمامها برعاية الفكر وأدوار المعرفة .
يجمع بعض الزائرين ومن خلال زيارته الدورية إلى مكتبة المركز ، ويحرص على التواصل مع المركز وأعضائه؛ لأنّه يجد ببعض الأعضاء العاملين في المكتبة خير موجه ومرشد له ، كونهم يعرفون طرق ومسالك البحث ، وإشعار الباحث والدارس بما يحتاجه من عون ومصدر ، إذا ما سلّمنا أنَّ عملية البحث تحتاج إلى سلسلة من الجهد والتقصي المضنية . ويضيف بعض من هؤلاء الأخوة انَّه متتبع لخطوات المركز ومشاريعه وبرنامجه الثقافي الذي يحرص على حضوره ، ولما يحمل من فائدة وتعزيز لأدوار الثقافة في البصرة وغيرها ، في حين يجد آخر ضالته في المركز وهو يبحث عن رجال الثقافة وفرسانها ، والمركز نفسه هو المعني بأدوار وحياة وتاريخ هؤلاء ، ويستشهد هذا القارئ بأعلام واسماء يبحث عنها وما زال ، وهناك مَن يطمح إلى تحقيق العمل المشترك ومد جسور التواصل والتلاقح ، وصولاً إلى انبثاق سفر كتبي يعود على تاريخ البصرة بالإثراء والاحتفاظ بهذا المنجز المعرفي الكبير الذي يشير إلى هوية المدينة الثقافي ، مرجحاً ذلك إلى أنَّ البصرة قد فقدت الكثير من مسودات ومخطوطات أعلامها ورجالها ، ويقول هاوٍ للكتب ومتابع للمكتبات : إنَّ زيارته تأتي بعنوان الوقوف على مكتبات البصرة وما تحتوي من كتب ومصادر ومآثر ، ومن الغرائب التي وقفنا عليها أنَّ أحد روّاد المكتبة يؤكد على تجدد واستكمال نقاشاته وحواراته الفاعلة مع بعض أعضاء المركز من الذين يجد فيهم خير محفز لثقافته ، وهو ما يحرص عليها ويعززها بحجة أنَّ ذلك مكمل للقراءة نفسها ، وهناك من يحصر زيارته بالوقوف على تراث هذه المدينة الخالد ويقول : انه وللأسف لم ير هذا التراث الهائل مجموعاً في مكان ما ، وهو الأمر الذي يشتت من همة الباحث وتوجهه ، ويجعله يطوف ويهيم في أروقة المكتبات دون أن يرى عملاً منظّما ومؤرشفاً مجموعاً في هكذا المكان .
طلابٌ كثر أفادونا بانتقائهم مصادر تخدم رسائلهم الجامعية في مجالات بحث التخرج والماجستير والدكتوراه ..وهم يجمعون من أنَّ مصادر وقفوا عليها أو استعاروها حققت غاياتهم وأهدافهم وهم لم يعثروا عليها في مكتبات المدينة . وهناك من قدَّم مؤلفاته؛ ليضيفها إلى مكتبة المركز ويتطلع لحفظها حالها والمصادر والكتب والمحطوطات التي تحتفظ بها هذه المكتبة العامرة ، معللاً ذلك بأزمة وانتهاء أدوار الأرشفة والتوثيق وغيابها – وللأسف- من مشهدنا الثقافي المعاصر .
استطلاع دوري ( مختصر )عن ردود أفعال روّاد مكتبة مركز تراث البصرة
صور من الموضوع ...