لمعارض الكتب التي تقيمها المؤسسات والدول قيمة ثقافية ومعنوية ، مشفوعة بنشر المعرفة وترصين الوعي ، وترسيخ قيم الفكر والادب والفن في عقول الجمهور ، ودائما ما يُفسر مشروع اقامة المعارض على انه حالة تنضوي في محور النهضة الشاملة التي تنتهجها الدول ، كونها تؤلف قيمة معنوية وثقافية واقتصادية وتنموية .. ولطالما تتمخض عن هذه المعارض و- نتيجة لرواج الكتاب وتسويقه وبيعه او نشره - حالة من التباهي والتفاخر التي تعتمدها الدول بانتماء شعوبها إلى الكتاب الذي يعد مفتاحا للتطلع والتقدم والرقي ، ومنهاجاً يتلامس مع جلّ المعارف والعلوم والفنون الانسانية.
فما زال الاقبال على معرض الكتاب البصري الذي تقيمه مؤسسة ثغر الفيحاء للثقافة والاعلام بالتعاون مع اتحاد الادباء والكتاب في البصرة و مؤسسات تراثية و ثقافية اخرى ، وبمشاركة فاعلة من مركز تراث البصرة بنسخته الثانية ، في قاعة ديوان محافظة البصرة ، وبمشاركة مؤسسات ومنظمات ومكتبات ودور نشر بصرية قائما ولليوم الثاني .
وفي رصد سريع لبعض وجهات النظر والآراء التي قدمتها بعض الاسماء والشخصيات والكتاب والادباء الذين حضروا المعرض ، حول ردود أفعال القرّاء والرواد ، وطبيعة الكتب والمؤلفات المعروضة .. وأسباب وتداعيات ومؤثرات الكتاب الرقمي على الكتاب الورقي استثمرنا هذا التجمع النخبوي لنقف على الاجوبة الآتية :
يقول الاستاذ عبد الامير الشمري من مؤسسة ثغر العراق التي تشارك بجناح خاص بها ، اظن ان هذا التجمع يشجعنا على القول ان حالة الالتصاق بالكتاب الورقي ما زالت قائمة ، لاسيما ونحن نرصد ذلك الاهتمام والالتصاق والعلاقة بين القارئ والكتاب من خلال سؤال رواد هذا المعرض الملح عن بعض الكتب والاصدارات التي لم تتوفر لهم في المكاتب او المواقع الالكترونية ، وهم يلتمسوننا كيما نقدم لهم النصح في هذا المجال . هذا الامر يبشر بخير ، اذا ما سلمنا اننا جميعا نسعى لان نردم الهوة أو ما يحول دون الكتاب الورقي - الذي نجد فيه اهتماماً وانتماء غريباً- والقارئ ، استطع ان اقول : ان الشباب تستهويهم الكتب الالكترونية التي يحصلون عليها من مواقع النت ، وبعض المنصات والعناوين الالكترونية ، لكنما كبار السن دائماً ما تستهويهم الكتب الورقية وبمختلف طبعاتها واشكالها.
أما الاستاذ جاسم محمد حسن فيقول : انا أجد انحساراً واضحاً في الاقبال على المعرض كمقاربة بين الامس واليوم ، كما ان الاقبال شبه معدوم بالقياس والمقارنة مع ما ذكرت . كنا في السابق نحج إلى الكتاب أينما حلَّ وفي أي مكتبة من مكتبات العراق ، في بغداد العاصمة وكردستان ومناطق الجنوب ، بل يقتضي الامر أحيانا ان نحمل من يذهب إلى مكتبات القاهرة وبيروت ان يبتاع لنا هذا العنوان أو ذاك الكتاب ، وهذا ما يضيف الينا نشوة تعزز انتماءنا لهذا الكتاب الذي اصبح يؤلف جزءاً من ذاكرتنا ، ان لم اقل ان بصمة عتيقة للذكرى ننقشها على أوراقه الصفر ، لكننا وللأسف لم نجد هذا الامر يدخل ضمن دائرة شبابنا اليوم ، أو حتى من بين اهتماماتهم .
اما السيد عبد الوهاب عبد الحكيم الصافي الشخصية المثقفة صاحب المؤلفات والاعمال الادبية والهندسية والتاريخية فقال : لا اخفيكم انا من رواد المعارض ، بل احرص كل الحرص لان اكون من روادها ومتابعيها ، ليس بصدد مؤلفاتي ، انما اجد انتماء يجبرني لان اكون ضمن دائرة مشاريع ومحافل الكتب ، لأني اجد نفسي في هذه التجمعات ، كان توجهي الى الهندسة المعمارية كوني مهندساً معمارياً ، وتحدد هذا التوجه بكتب الاختصاص التي اقتنيت وهي كثيرة وتشغل اغلب عناوين مكتبتي ، ولكن بعد التقاعد وجدت ان الحاجة الفكرية تقودك لان تمد جسورك الى بقية اصناف واشكال المعرفة . وفعلا وجدت ضالتي ، بل وجدت وتحققت من نفسي من خلال هذه المعارف التي لا يشبع منها قارئ أو طالب علم . ولكنني اعترف من انني لم اترك القراءة ، بل اصبحت جزءاً من يومي وحياتي ، ولا أتذكر أن الكتاب فارقني يوماً ، بل أصبح يرادفني كظلي . وعن مشاريعي في التأليف انا اجهد الآن لإكمال كتابي عن سماحة الوالد الراحل السيد عبد الحكيم الصافي ، وقد عرض لي هذا المعرض كتابي (اقراء الضيف ) وكتابي ( معمارية التكرار في الشعر العربي ) واعكف لإكمال مسودتي ( شرح اللاميتين ) لامية العرب والعجم ، وكتاب بعنوان ( هندسة المتاحف ) . لا اجاملكم من ان ارتياحا غمرني كثيرا وانا اغوص بهذه العناوين البصرية الكثيرة والكبيرة التي خرجت من جلبان مركز تراث البصرة ، لتشير الى ادواره ورسالته الثرة ، والتي تؤكد عمق الانتماء الفكري للبصرة الفيحاء التي ملأت الدنيا وشغلت الناس .
ويقول القاص علي سمير : اجد ان مشاركة مركز تراث البصرة مشاركة فاعلة تستحق الثناء والتقدير ، لا سيما وهي تترجم ادواره ورسالته بالانفتاح على تراث هذه المدينة الكبير . اما بالنسبة الى المركز وسؤالك حول العلاقة بين الكتاب الورقي والالكتروني ، انا اجد الاغلب لا يتحمل قراءة صفحات كثيرة من الكتاب الالكتروني الفضي ، قبالة شاشة ملتمعة تؤثر على النظر ان لم اقل تستهلكه ، ناهيك من ان بعض الممارسات والاعمال الشائعة تصاحب قراءة الكتاب لا نجدها في الكتاب الالكتروني مثل : طي الورقة وتحديدها ، او التهميش على بياضها وتذييل الصفحة ، او الاشارة الى المدلولات والسطور التي يحتاجها الكاتب والباحث والاديب . اما عن الاقبال على هذا المعرض اقول : ان اليوم الثاني كان لافتا للنظر ، ولكنني وبتقصٍ للقراء القراء لم اجد ما يشيع نهمي ، ما يشجعني لان اقول : ان هنالك قارئا نهما ، او متابعا للكتب ، وللأسف اقول هنا ان الكتاب الشعري وخصوصا في مجال قصيدة النثر رائج منتشر وللأسف ، قبالة كتب السرد والقصة والرواية والنقد والدراسات .. ولا ادري سبب التوجه الى قصيدة النثر وبهذا الكم الكبير من المطبوعات ، ولعل البعض قد يستسهلها ظنا منه انها تفتقر الى المقومات والاساسيات ، اذا ما عرفنا ان اشتراطات صعبة تحملها هذه القصيدة يجب ان تتوافر في ثقافة الشاعر ، وهي ذات الاشتراطات مع القصيدة العمودية . والامر الثاني الذي وجدته وللأسف ان اختيارات الشباب تنقاد الى الكتاب الذي يتمتع بطباعة جميلة واخراج فني انيق ، وهذا الامر لم يكن من ضمن ثقافتنا سابقا و اختم القول ان المجد للكتاب الورقي الذي يعطيك نشوة ولذة القراءة ، من خلال ذلك الطفس الروحي وتلك الانتماءات التي تلازمك ما حييت .
في حين يقول الكاتب والشاعر والمثقف الشامل اسماعيل القريشي : لا اغلي بالقول من انني قارئ ومتابع ، وردا على تساؤلكم عن علاقة الكتاب المطبوع بالإلكتروني اقول : انا صاحب مطبعة ، ولشدة شغفي بالكتاب والعمل جهد الامكان على امكانية الحصول عليه ، احاول دائما ان احصل على الكتاب من المواقع الالكترونية ، لأقوم بطبعه ، ومن ثم نسخه وتجليده ، في وقت ان كتبا لا اجدها في المكتبات والاسواق ، ولكنني وجدت متعتي ونشيدي في الكتاب الورقي ولأمور كثيرة منها ، وضع الفواصل على الكتاب الورقي ، وتهميش المواضيع بالرموز والاشارات التي اعتمدها في البحث والتحري ، وتحديد تطابق وتشابه الافكار . اذا ما علمنا ان وجهة نظر الكاتب تماثل راي القاري في احايين كثيرة ، فضلا عن حصر الافكار والرؤى للكاتب او صاحب النص .. اما عن البحث عن قارئ خصب نهم فلا اظن انني وجدت ما ابحث عنه ، وانا اقصد هنا الشباب . اما كبار السن من غير الادباء والكتاب والمؤلفين ، فاجد تلك الجدية قائمة بائنة ، ولكنها تضيع امام هذه الموجات التقليعات التي انتشرت كما النار في الهشيم .. لا اجامل من ان الذي اضاف لهذا المعرض روعة وبهاء هو المشاركة الفاعلة لمركز تراث البصرة الذي جسد رسالته واثبت جديته في ان يكون هذا المعرض بنسخته الثانية مكملا للمنجز المعرفي والثقافي لهذه المدينة المبدعة.
ويختم الشاعر والقاص الاستاذ عزيز داخل من اتحاد الادباء والكتاب في البصرة قوله : المعرض حالة صحية ثقافية تبشر بعافية الفكر واستمراره ، لا اخفيكم ان الاجنحة عامرة بالعناوين والاسماء والاعلام الذين نفتخر ببصريتهم وانتمائهم الى هذه المدينة المعطاء . نعم اتفق مع من رجح كثرة الكتب وحصرها بالشعر وتحديدا قصيدة النثر ، باستثناء ما جاد به مركز تراث البصرة الذي حصر مؤلفات البصريين في شتى المعارف والعلوم والفعاليات الفكرية الاخرى ، وكان بحق جناحا متميزا نفخر به . ولكنني اعود بل ارد على من يجعل قصيدة النثر التي تتسيد عناوين الكتب ، واقول : واهم من يستسهل هذه القصيدة ويجعلها في خانة المباشرة والتجاهل ، وهذا ما يذكرني ببحر المنسرح الذي ما فتىء عصيا على الشعراء ، والشاعر الناقد يعي ما اعنيه هنا ، ولكنني ارجح هذا الاستسهال الى غياب العلمية والمنهجية ، وانحسار المعلومة ، ونفاد الخزين المعرفي للشاعر . وقبل هذا وذاك عدم الثقة بالنفس ، والخوف من الآخر واعني تحديدا الناقد ، اذن شاعر قصيدة النثر التي تحمل من المساحة الفكرية ما تحمل ، يجب ان يتمتع بثقافة ناضجة وواسعة . اما بخصوص كتب السرد ، فوجدت ان سردا ينتهجه القاص البصري مبني على ما يعرف بطريقة (الاكشن) ، او ما اسميه بالسهل الممتنع الرائج ، وهنا اشير الى رواية استاذنا القاص الكبير محمد خضير (المحجر ) مقارنة ب ( المملكة السوداء ) فالأولى رواية جادة من خلال عناوينها وشخوصها واشير الى احدى قصصها (الشفيع) وما تحمل من ابعاد واستنطاقات تستدعي وتستهدف القارئ هنا . انا اطمح لان اجد جمهورا يستدعي الكتاب قبل ان يستدعيه الكتاب ، عند ذلك نحقق مشهدا كتبيا جماهيريا وقارئا هو من نعقد الآمال عليه في اقامة مثل هذه المعارض .
ولقد ورد الينا ان المعرض سينتقل وعلى ضوء النجاحات التي حظي بها الى اروقة بعض المدارس في البصرة، املاً بتشجيع الأجيال على القراءة واقتناء الكتاب ، ومتابعة وحصر الطلبة الذين يحرصون على مطالعة الكتاب وديمومة القراء ، وهناك اشارات لانتقال المعرض الى المشاركة في دول مجاورة . اما عن الانشطة التي كانت على هامش المعرض فلم نجد سوى قصيدتين القيتا من قبل الشاعر خلف المناصير ولكن الاستاذ القاص والناقد علاء المرقب قال ان المعرض مدد ليوم ثالث ومن المؤمل ان تكون هذه الفعاليات والانشطة ضمن هامشه.
( استطلاع ) اليوم الثاني لمعرض الكتاب البصري بنسخته الثانية :
صور من الموضوع ...