شخصيات ادبية
الخليل بن أحمدٍ الفراهيديّ
يُعدُّ الخليلُ بن أحمدٍ الفراهيديّ البِصريّ من أوائل العلماء النابغينَ النابهينَ في البصرة.
فالخليلُ بنُ أحمدٍ الأزديِّ، مِن فراهيدِ البصرة، كُنيتُه أبو عبدِ الرحمن، صاحبُ العَروض وكتابِ العَين، من خِيار عِباد الله.
وقد نقل السمعاني أنّه ليس بعدَ رسولِ اللهِ صلّى اللهُ عليهِ وآله وسلّم مِن أمَّته مَن اسمُه أحمد ما بينَه وبينَ أحمدٍ الفراهيديِّ أبي الخليلِ بنِ أحمد، وعن المبرَّد: أنه فتّش المفتِّشون فما وجدوا بعد نبيِّنا صلّى الله عليه وآله من اسمُه أحمد قبل والد الخليل، فكان ولده بتلك المنزلة من الذكاء والعِلم، والزُّهد كرامة لأوّل تسمية باسم رسول الله صلّى الله عليه وآله.
والفراهيد جمع فُرهُد: والفرهُد، بالضمِّ: الحادرُ الغليظُ مِن الغِلمان، وقيل: الفرهود الحادرُ الغَليظ، وهو الناعم التّارّ، ويقال: غلامٌ فلهُد، باللّام أيضاً، أي ممتلئٌ، وقيل: الفرهُد الناعم التّارُّ الرَّخص، ... والفرهُد والفَرهُود: ولدُ الأسد،...وهناك أقوال أُخَر. وهنا يطالعنا قول الأصمعيِّ أنّه سأل الخليلَ بنَ أحمد: ممّن هُوَ، فقال: من أزدِ عُمان، مِن فراهيد، قلتُ: وما فراهيد؟ قال: جرو الأسد، بلغةِ، عُمان...
وربّما بانَ بعضُ التناقضِ فيما أُوردَ من معانٍ لهذه اللفظة، كالجمع بين الغليظ والناعم التّار الرّخص، مع عدمِ التصريح بكونه من الأضداد، كلفظ الجَون للأبيض والأسود، وهذا الاضطراب غريب، وإذا صحَّ ما رواهُ الأصمعيّ عن الخليل في معنى الفَراهيد، بات قولُ الخليل حجّةً في تحقيقِ اسمِه وصاحبُ الدار أدرَى بالذي فيها.
وقد تحدّث العلماء عن علمه فقالوا: إنّه كان غايةً في استخراجِ مسائل النحو وتصحيحِ القياس، وهو أوّل من استخرجَ العَروض وخصَّ بهِ أشعارَ العرب، وكانَ مِن َالزُّهّاد في الدنيا المنقطعين إلى العلم، وكان شاعراً مُقِلاّ، وإنّه لم يكن في العرب بعد الصحابة أذكى من الخليل بن أحمد، ولا أجمع، ...، وكان يحجُّ سنةً، ويغزو سنةً، حتّى مات، وهو أوّل من جمعَ حروف المعجم في بيتٍ واحدٍ وهو من البسيط:
صِف خلقَ خُودٍ كمثلِ الشَّمسِ إذْ بزغَت يحظَى الضَّجيعُ بها: نجلاءُ معطارُ
وعن الأصمعيّ عن أبي عمرو بن العلاء قال: من أحبَّ أن ينظرَ إلى رجلٍ صِيغ من ذهبٍ، فلينظر إلى الخليل بن أحمد، ثمّ أنشأ يقول:
قد صاغهُ اللهُ من مسكٍ ومِن ذهبٍ وصاغَ راحته من عارضٍ هطلِ
وقال تلميذُه النَّضرُ بنُ شُميل: أقام الخليلُ في خُصٍّ من أخصاصِ البصرة لا يقدر على فِلسين، وأصحابُه يكسبونَ بعلمه الأموال، ولقد سمِعتُهُ يوماً يقول: إنّي لأُغلق عليَّ بابي فما يجاوزه همِّي، وكان يقول أكملُ ما يكونُ الإنسانُ عقلاً وذهناً إذا بلغ أربعينَ سنةً، وهي السِّنُّ التي بعثَ اللهُ تعالى فيها محمّداً صلّى اللهُ عليه[وآلِه] وسلّم، ثمّ يتغيّر وينقص إذا بلغ ثلاثاً وستّين سنةً، وهي السِّنُّ التي قُبِضَ فيها رسولُ اللِه صلّى اللهُ عليه[وألِه] وسلّم، وأصفى ما يكونُ ذهنُ الإنسانِ في وقت السّحَر.
وكان الخليل رجلاً عاقلاً حليماً وقوراً يُحكى عنه أنَّهُ قال: كان يتردّد إليَّ شخصٌ يتعلّم العروض، وهو بعيدُ الفَهم فأقام مدّة، ولم يعلَق على خاطره شيءٌ منه، فقلت له يوماً قطّع هذا البيت:
(إذا لم تستطع شيئاً فدَعه وجاوزه إلى ما تستطيعُ)
فشرَع معي في تقطيعه على قدرِ معرفتِه، ثمّ نهض، ولم يعُد يجيء إليَّ فعجبتُ من فطنتِهِ لما قصدتُهُ في البيت مع بُعْدِ فهمِه.
واجتمعَ الخليل وعبد الله بن المقفع ليلةً يتحدَّثان إلى الغداة، فلمّا تفرّقا قيل للخليل، كيف رأيتَ ابن المقفّع؟ فقال: رأيتُ رجلاً علمُه أكثرُ مِن عقله، وقيل لابن المقفّع، كيف رأيتَ الخليل؟، قال: رأيتُ رجلاً عقلُه أكثرُ مِن علمِه.
وقد خصَّ السيّد الخوئي (قدّس سرُّه) الخليل بن أحمد الفراهيدي بترجمةٍ ضافية ناقلاً قول ابن ادريس الحِلي (قدِّس سرّه) في مستطرفات السرائر، أنّه من كبراءِ أصحابنا المجتهدين.
ومِن كلماته وأقواله الحِكميّة:
- قيل: إنّه سُئل الخليل عن الدليل على إمامة عليٍّ (عليه السلام)، على نحو الكلِّ في الكلِّ، فقال: احتياجُ الكُلِّ إليه، واستغناؤه عن الكلّ.
- وقال: الجهلُ منزلةٌ بينَ الحياءِ والأنفة ، وقال: لا يعلمُ الإنسانُ خطأ معلّمه حتى يجالسَ غيرَه، وقال أيضاً: أيّامي أربعة: يومٌ أخرج فألقى فيه مَن أنا أعلم منه، فذلك يوم فائدتي وغنيمتي، ويومٌ أخرج فألقى فيه مَن أنا أعلم منه، فذلك يوم أجري، ويوم أخرج فألقى فيه مَن هو مثلي، فأذاكره فذلك يوم درسي، ويومٌ أخرج فألقى فيه مَن هو دوني، وهو يرى أنّه فوقي فلا أكلّمه، وأجعله يوم راحتي .
وللخليلِ من التصانيف كتابُ العين في اللغة، وهو مشهور، وكتاب العَروض، وكتاب الشواهد، وكتاب النَّقط والشَكل، وكتاب النَغم، وكتابٌ في العوامل، وكتابُ الإيقاع...
ومِن أبرز تلامذته:
سيبويه النحويُّ البصريُّ، وعبد الملك بن قريب الأصمعيّ، وحمّاد بن يزيد، وأيوب بن المتوكّل البصريّ القارئ، وبَدَل بن المحبّر، وداود بن المحبّر، وعليّ بن نصر الجهضميّ، وأبو فيد مؤرّج بن عمرو السّدوسيّ، وموسى بن أيوب، والنضر بن شُميل، وهارون بن موسى النحويّ الأعور، ووهب بن جرير بن حازم.
وفي وفاته أقوال أشهرها أنّه توفي سنة (174 أو 175ه)، وكان سببُ موته حسبما ذُكر أنّه قال: أريدُ أن أقرّب نوعاً من الحساب تمضي به الجارية إلى البيّاع فلا يُمكنه ظلمُها، ودخل المسجد وهو يُعمِلُ فكرَه في ذلك فصدمته ساريةٌ، وهو غافلٌ عنها بفكره، فانقلب على ظهرِه فكانت سببَ موته، وقيل بل كان يقطِّع بحراً مِنَ العَروض. فرحمه الله من عالمٍ بصريٍّ غذّى الأمّة بعلومه، وعاش باذلاً نفسه في خدمة النّاس.
الخليل بن أحمدٍ الفراهيديّ