قبس من سيرة أبي عمرو بن العلاء البصري (ت 154ه)
أنجبتْ البصرة كثيراً من العلماء, واحتضنتْ عدداً من المُفكِّرين في مختلف العلوم، وكانتْ - وماتزال - ينبوع عطاء لا ينضب وإشعاع فكر لا يخبو نوره عبر الزمن، وقد ساعدتْ عواملٌ كثيرةٌ في ريادة البصرة للحركة الفكرية، إذ تُعدُّ البصرة إحدى الحواضر الأدبيَّة والعلميَّة البارزة؛ لانتشار المدارس والمؤسَّسات الثقافيَّة فيها فضلاً عن المساجد، وبروز عدد من الشخصيَّات العلمية في حواضرها, ومن هذه الشخصيات البصريَّة التي أخذتْ مساحة واسعة بين الأعلام (أبو عمر بن العلاء) فهو عالم من أشهر علماء القراءات، واللغة، والنحو، وشيخ القراء، ومقرئ أهل البصرة، وأحد زعماء المدرسة البصرية النحوية.
اسمه ونسبه:
أُختلف في اسمه على عدَّة أقوال، فقد قيل أنَّ اسمه زيَّان(زبَّان) أو العُريان، وقد اشتهر بكنيته فهو أبو عمرو بن العلاء بن عمَّار بن العريان بن عبد الله بن الحصين المازني التميمي البصري، ولد بمكة عام (68 أو 70 للهجرة)، ونشأ في البصرة، وتُوفي في الكوفة أيَّام حُكم المنصور العبَّاسي عام (154هـ).
مكانته وعلمه
يُعد أبو عمرو بن العلاء أحد القُرَّاء السبعة، ومن بين القرَّاء الشيعة الأربعة، وهم من حيث الترتيب الزمني لسنة الوفاة عاصم(128هـ)، ابو عمرو(154هـ)، حـمـزة ( ت 156 ه‍ )، الكسائـي ( ت 189 ه‍ ).
وكان أبو عمرو من أعلام الشيعة ومن أعلم النَّاس بالقراءات والعربية والشعر وأيَّام العرب بل شيخُ القراءة والعربية، وهو أوحد أهل زمانه فيهما، وقد بَرز في النَّحو، وقد انتهتْ إليه الإمامة في القراءة بالبصرة، فتتلمذ على يديه كثيرٌ من العلماء كان أشهرهم الخليل بن أحمد الفراهيدي.
صفاته
عُرف أبو عمرو بالفصاحة، والصدق، والثقة، وسعة العلم، والزهد، والعبادة، وكان من أشراف العرب؛ لذلك مدحه الفرزدقُ بقوله:
مَا زِلْتُ أَفْتحُ أَبْوَابَاً وَأُغْلقهَا .......... حَتَّى أَتيْتُ أبَا عَمْرو بن عَمَّار
حتى أتيتُ فتى محضاً ضريبته......... مر المريرة حُراً وابن أحرار
يُنمِّيه من مازن في فرع نبعتها....... أصلٌ كريمٌ وفرعٌ غير خوَّار
أخذ أبو عمرو بن العلاء القراءة عن أهل الحجاز، وأهل البصرة، وأهل الكوفة، وليس في القُرَّاء السبعة أكثر شيوخاً منه.
ورثاه ابن المقفع بأبيات أوردها ابن خلكان في وفيات الأعيان:
رزئنا أبا عمرو ولا حي مثله فلله ريب الحادثات بمن فجع
فإن تك قد فارقتنا وتركتنا ذوي خلة ما في انسداد لها طمع
فقد جر نفعاً فقدنا لك أننا أمنا على كل الرزايا من الجزع
ويورد ابن خلكان أن هذه الأبيات قد تكون قيلت في غيره إلا أنه يرجح أنها قيلت فيه.
وقرأ بالبصرة على: يحيى بن يَعْمُر، ونصر بن عاصم، والحسن البصري، وغيرهم.
وقرأ بالكوفة على: عاصم بن أبي النَّجود.
قصة وحادثة
ولما طلب الحَجَّاج بن يوسف الثقفي أباه العلاء، خرج العلاء هارباً ومعه ولده أبو عمرو، وهما يُرِيدان اليمن، قال أبو عمرو: فإنَّا لنسير في صحراء اليمن إذا برجل ينشد:
صبِّر النَّفس عند كلِّ مُلمٍّ إنَّ في الصبر حِيلة المُحتَال
لا تضيقنَّ في الأمور فقد يُكْ شَف لأواؤها بغير احتيال
ربَّما تكره النفوس من الأم ر له فَرجة كحلِّ العِقَال
قد تُصَاب الجبالُ في آخر الصَّفْ فِ وينجو مقارعُ الأبطال
قال: فقال له أبي: ما الخبر؟ فقال: مات الحجَّاج، قال أبو عمرو: فأنا بقوله: فَرجة،- يعني بفتح الفاء-، أشد سروراً مني بموت الحجاج، لأنِّي كنتُ أطلب شاهدًا لاختياري القراءة في سورة البقرة: ﴿ إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غَرْفَةً بِيَدِهِ ﴾ [البقرة: 249]، فقال أبي: هذا - والله - الرغبة في العلم، اضرب ركابنا إلى البصرة.
من مآثره وأقواله
إنَّ مآثر أبي عمرو بن العلاء جمَّة فقد ذكرها كثير من العلماء بأقوالهم، ومن ذلك ما نقله الأصمعي إذ قال: ((قال لي أبو عمرو: كُنْ على حَذر من الكريم إذا أهنته، ومن اللئيم إذا أكرمته، ومن العاقل إذا أحرجته، ومن الأحمق إذا مازحته، ومن الفاجر إذا عاشرته، وليس من الأدب أن تُجيب من لا يسألك، أو تَسأل من لا يُجيبك، أو تُحدِّث من لا يُنصتُ لك)).
وقيل لأبي عمرو: حتى متى يحسن بالمرء أن يتعلم؟ قال: ((ما دامتِ الحياة تَحْسُن به)).
وكان أبو عمرو إذا دخل شهر رمضان لم يُنشد بيت شعر حتى ينقضي.
وكان يونس بن حبيب النحوي يقول : ((لو كان هناك أحد ينبغي أن يُؤخذ بقوله في كل شيء لكان ينبغي أن يُؤخذ بقول أبي عمرو بن العلاء)) .
وفاته
لما حضرتِ الوفاةُ أبا عمرو كان يُغشى عليه ويفيق، فأفاق من غشية له، فإذا ابنُه بشرُ يبكي، فقال: ما يُبكيك وقد أتتْ عليَّ أربعٌ وثمانون سنة ، وقد ذكر غيرُ واحد أنَّ وفاته كانتْ سنة (154هـ).
وفي يوم وفاته جاء الناس يُعزُّون أولادَه، فقال يونس بن حبيب: ((نعزيكم وأنفسنا بمن لا نرى شبهاً له آخر الزمان، والله لو قُسِّمَ علمُ أبي عمرو وزهدُهُ على مائة إنسان لكانوا كلُّهم علماءَ زُهَّاداً)).
ويبقى العلماء بآثارهم، فهي الدليل عليهم، وعلى مكانتهم عند الله تعالى وبين الناس وأن تك أعيانهم مفقودة فآثارهم موجودة. ولله درُّ من قال:
ما الفخر إلَّا لأهل العلم إنَّهـم على الهدى لمن استهدى أدلَّاء
وقدر كلِّ امرئٍ ما كان يحسنه والجاهـلون لأهل العلم أعداء
ففُز بعلم تعـش حيَّاً به أبداً الناس موتى وأهل العلم أحياء.