من المعالمِ البارزة ـ حاليّاً ـ في مدينة الزُّبير مسجدُ الشويليّ (المسجدُ الأعظمُ)، وهو مسجدٌ معروفٌ قديمٌ أُسِّس عام 1953م على يدِ المرحوم الشويليّ، وبقي باسمِ مؤسّسهِ الحاج عبد الرزّاق الشويليّ (رحمه الله)، إلى ما بعدَ زوال النظام الصدّامي بقليل؛ إذْ جرت توسعتُهُ في بداية السّقوط مِن عام 2006 إلى عام 2008 ميلاديّ؛ إذْ ازدادَ ثمانيةَ أضعافِ ما كان عليهِ بفضل اللهِ عزَّ وجلَّ، وتمَّ الاتفاق مع ورثةِ الحاج عبد الرزاق الشويليّ على أن يُصارَ إلى تسميتِهِ بالمسجدِ الأعظم، معَ الحِفاظ على اسم المؤسِّس (عبد الرزّاق الشويليّ).

مساحةُ المسجد، وصفتُه، ودواعي تأسِيسِه

تبلغُ المساحةُ الأصليّة التي بُني عليها المسجد 180متراً مربّعاً، وبلغت بعدَ التّرميم أكثرَ من ألفِ مترٍ مربع. وقد بُني ـ كما هو المُعتاد في ذلك الزمان ـ بوسائل قديمة وبسيطة، ورُمِّم عدَّة مرّات، وآخر ما وصل إليه عام 2008 للميلاد.
ولابدَّ لأيِّ تأسيسٍ من داعٍ يدعو إليه، فالزُّبير الآن غنيّةٌ في مساجدِها، ولكنْ، في زمنِ النِّظام الصدَّاميّ، وما سبقه مِنَ الأنظمة، كانت شعائرُ أهل البيت (عليهم السّلام) محارَبةً بصورة عامّة، فليس بالإمكانِ بناءُ أيِّ مسجدٍ، فكانت مساجدُ الطائفةِ الشيعيَّة قليلةً جدّاً، فهناك مسجدانِ أقدمُ مِن هذا المسجد، الأوّل: مسجدُ الإحسائيّة، الذي أُسِّسَ عام 1926 للميلاد بأمرٍ من المرجعِ آنذاك، السيّد أبي الحسن الأصفهاني (قدس سره)، والثاني: مسجد الزهراء، المعروف بمسجد (الحاج طوينة)، أُسِّسَ في الأربعينيَّات من القرن الماضي، ومن ثَمَّ، فإنّ هذا المسجد (المسجد الأعظم) هو ثالثُ مسجدٍ في الزُّبير يؤسَّس لحاجةِ المؤمنين، وفعلاً كان يكتظُّ بالمؤمنين في صلاةِ الجماعةِ والعيدين، وتقام فيه الآن صلاةُ الجمعةِ أيضاً، بإمامة وكيل المرجعيّة الدينيّة في الزبي،ر سماحة حجّة الإسلام، الشيخ محمّد فلك المالكي (دام توفيقه)، وهي لا تقلُّ عن خمسة آلاف مصلٍّ بفضل اللهِ عزَّ وجَلَّ.

إدارةُ المسجد وتوليتُه

كانت إدارة المسجد بيدِ أُسرة الحاج عبد الرزّاق الشويليّ، وهي حالياً بيد وكيل المرجعيّة الدينيّة في الزبير، سماحةُ حجّة الإسلام، الشيخ محمّد فلك المالكي (دام توفيقه)، ضمن (هيأة الأمناء)، المشكَّلة معَ أفراد أسرةِ الحاج عبد الرزّاق ، علماً أنّ سماحةَ الشيخ المالكيّ هَوَ الإمامُ الراتبُ فيه.
العلماءُ وأعلامُ المنبر الحسينيّ الذين وفدوا على المسجد
صلَّى في المسجد أيضاً السيّدُ حسين الشاهروديُّ من قم المقدّسة، شقيقُ المرجع السيِّد محمد الشاهروديّ (قدس سره)، ومِنَ أعلامِ المنبرِ الحسينيّ الذينَ قرأوا فيه: سماحةُ الحجّةِ، السيّد علي الميلانيّ، والشيخ مرتضى الوائليّ، وكان خطيباً مفوَّهاً، وكذلك أخوه الشيخ مهدي الوائليّ، والشيخ حسن الكوفي (رحمه الله) لسنين متتالية، والسيّد جعفر المشعشع لسنين متتالية أيضاً، والسيّد علي حبل المتين من النجف الأشرف، وآخرون.

أبرزُ المؤذِّنينَ في المسجد

تعاقبَ على رفعِ الأذان في المسجد الكثيرُ ممّن كان يُعرف بالصوت الشجيّ، أمثال: السيِّد عبّود المولى، والسيِّد كاظم الياسري، والآن الحاج أبو أحمد (أبو ذر)، من أهالي شطّ العرب.

النشاطُ الحُسينيُّ في المسجد

ممّا لاشكَّ فيه: أنَّ مساجدَنا كانت ـ وما تزال ـ عامرةً بذكر أهلِ البيتِ (عليهم السّلام)، ونشرِ فضائلِهم، واستذكارِ مصائبِهم، وقد كانت مساحةُ هذه الثقافة في مسجد الشويليِّ في مدينة الزبير كُبرى ومُثلى؛ إذْ لم تفتُر مجالسُ الذكر والموعظة، وتداول شأن أهل البيت في أن تصدحَ مِن مآذِنِه، وتتردّدَ بينَ جدرانِهِ، وبعدَ زوالِ النظام، عُمِد إلى تشكيلِ هيئاتٍ حسينيّةٍ أشبهَ بالمواكب في كلِّ مسجدٍ أو حسينيّة في الزبير ، فقد شكّلت في هذه المدينة أكثر من 160 هيأة، كلُّ هيأةٍ لا يقلُّ عددها عن 100 شاب، فالآن هناك 16000 شاب وشيبة تقريبا ينتمون لهذه الهيئات، ويشاركون في شهر محرّم في مواكب كبيرة مشهودة، تؤدّي العزاء عندَ هذا المسجد، كما أدّت مراسيم العزاء في النجف وكربلاء عدّة مرّات.
وفي حوادثِ استشهادِ أحدِ الأئمّة أو أولادهم، يُقام ـ أحياناً ـ مِهرجَانٌ لمدّةِ ثلاثةِ أيّام، فيه معرضُ كتابٍ، وندوةٌ عقائديّةٌ فكريّةٌ عن سِيرة الإمام (سلام الله عليه)، تشتركُ فيها الجامعة والحوزة، وذلك باستضافة أحدِ رجالاتِ الحوزة، وأحد رجالات الجامعة، للكلام عن تلك القضيّة العقائديّة الخاصّة، وهذه الندوات تكون من خصائصِ المسجد، على حين تُقامُ مجالسُ العزاء في معظم المساجد والحسينيّات في هذه المدينة.

المؤسَّساتُ العاملةُ في المسجدِ

في المسجد يقعُ مكتبُ ممثّليّة المرجعيّة الدينيّة في الزبير، متمثّلاً بشخص سماحة الشيخ محمّد فلك المالكي (دام توفيقه)، وفيه ـ أي: المسجد ـ مجموعةٌ مِن إداراتِ المؤسّساتِ العاملة في المكتب، منها:
1- إدارةُ مؤسّسة الهداية لرعاية العوائل المتعفّفة
وتعنى هذه المؤسّسة بتوزيع ما يرد من حقٍّ شرعيٍّ بحسب توجيهات المرجعيّة الدينيّة العُليا، للمستحقّين المثبَّتين لدى المؤسّسة، البالغ عددهم أكثر من (3000 عائلة).
2- إدارةُ مؤسّسة الحوراء زينب (عليها السلام)
وتعنى هذه المؤسّسة بكفالة عوائل الأيتام والأرامل الذين لا معيل لهم، والعدد المثبّت الآن هو (916) عائلة.
3- جمعيّةُ الإمام الحسن (عليه السلام) الخيريّة لتزويج العزّاب
وهي جمعيّة تعنى بمساعدة الشباب لفتح أسر كريمة تكون لبنة أولى في المجتمع، و قد تمَّ تقديم المساعدة لأكثر من (1500) شاب لحد الآن.
4- جمعيّةُ الهداية لإحياء التراث
وهي جمعيّة تعنى بالاهتمام بالأعمال المسرحيّة والشعريّة التي تقدّم في أيّام مناسبات أهل البيت (عليهم السلام)، وقد قدّمت لحدّ الآن أكثر من 50 عملاً مسرحيّاً، مع وجودِ رابطةٍ للشعراء الشعبيّين في المدينة.
5- إذاعةُ الهداية للمعارف الإسلاميّة
وهي إذاعة أرضيّة تعنى بنشر الفكر المحمّديّ الأصيل، ونقلِ النشاطاتِ للهيئات والمواكب الحسينيّة في القَضاء، فضلاً عن بثِّ محاضرات وخطب الجمعة لوكيل المرجعيّة الدينيّة في الزبير.
6- دارُ الإمام الرضا (ع) للقرآن الكريم
وهذ عبارة عن مجموعة من المدرِّسين القرآنيّين، أخذوا على عاتقهم تهيئة جيل من حَفَظة القرآنِ الكريم وقرّائه.
7- مركز البصرة للثقافة و الإرشاد
وهو معنيٌّ بإقامة المؤتمرات والمهرجانات الإسلاميّة في المناسبات، وتعريف الأمّة بالعلماء؛ من خلال إقامة الندوات الثقافيّة، واستضافة الفضلاء من حوزة النجف الأشرف، وكذلك من الأساتذة الجامعيّين.
8- مجمّع الهداية الطبّي
وفيه أطبّاء اختصاص ومميّزون، ويتعامل مع الطبقة الفقيرة بخُمس الكُلفة المحليّة، ويقدِّم خدماتِه الطبيّةَ بالمجّان للعوائل المُعدَمة.
9- إدارة الهيئات والمواكب الحسينيّة
وهو يضمُّ أكثر من(160) هيأة حسينيّة و(200) موكبٍ خِدْميٍّ، لهم أعمال كثيرة، منها: النشاطات الثقافيّة، وإحياء المراسيم بمواكب العزاء، وكذا تقديم الخِدْمات أيّام الزيارات المخصوصة، وخصوصاً زيارة الأربعين.
10- مقرّ هيأة خدّام الذبيح
وهذه الهيأة تشرف على المتطوّعين من أهل مدينة الزبير لخدمة زائري الأئمّة (عليهم السلام)، أثناء الزيارات المخصوصة في كربلاء، والنجف، وسامرّاء، والكاظمية المقدَّسة.

ظروفٌ خاصّةٌ

ومرَّ المسجدُ بظروفٍ استثنائيّةٍ بسبب الحكومات التي توالت على حُكْم العِراق، وخصوصاً نظام البعث الكافر؛ إذ كان يُحارِب الشعائرَ الحسينيّة، يريد بذلك إخمادَ الصَّوت الحسينيِّ، فقد كانَ للمسجد وغيره من المساجد دورٌ في التصدِّي لهذه المخطّطات الكافرة، فلم يألُ القائمون عليه جُهداً في تثبيت المشاعر تُجاه أهل البيت والشعائر، على الرغم من السجنِ والمضايقات، ولكنْ، بفضلِ اللهِ ما قُطعت التعزيةُ في هذا المسجد بالرَّغم من الشِّدَّة والبطش اللذين كان يقوم بهما النظامُ البعثيُّ؛ إذ قدّم المسجد أكثر من خمسة شهداء من المنطقة.
وستبقى مساجدُنا مراكزَ إشعاعٍ ومناراتِ هدىً يهتدي بها الناس.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ