تُعَدُّ المساجدُ المدارسَ الإسلاميّةَ لتنشئة الأجيالِ وتربيتِها التربيةَ الصالحةَ، التي تكون على أساسِ القِيَم والمبادئِ السامية؛ من خلال ما تقدِّمه من غذاءٍ روحيٍّ لنفس الإنسان، لذا، نرى أنّ الإسلام قد اهتمّ بها كثيراً، وأولاها عنايةً خاصّة، وجعل لها أحكاماً وآداباً تخصّها دون غيرها من الأماكن.
وقد شُيّد في البصرة الكثيرُ من هذه المدارس المباركة، إحداها: جامعُ السِّكَك.

الموقعُ وعامُ التأسيس

في منطقةِ المَعقلِ، التي تقع وسط محافظةِ البصرة، شُيِّد جامعُ (السّكَك)، الذي يُعدّ من الجوامع القديمة المهمّة في هذه المنطقة والمحافظة بصورة عامّة؛ إذ يجمع أهالي المنطقة كلّهم في أفراحهم وأتراحهم وإحياء أمر مواليهم عليهم السلام.
يعودُ تاريخُ بناء الجامع المبارك إلى عام (1944م)، على يد كادرٍ من محطّة قطار البصرة (السّكَك)، وكان أهمُّ المبادرين الى تأسيس الجامع، الحاجُّ عبد الزهرة مري العبّودي، والحاجّ حسين علي العبّودي، وبإشراف ورعاية سماحة السيد عبد الحكيم الصافي (رحمه الله).

المراحل العمرانيّة

مرَّ الجامعُ منذ تأسيسه بعدَّة مراحلَ عمرانيّة؛ إذ تمَّ بناؤه في البداية من مادّة الطين والقَصَب، وبعد مدّة من الزمن ليست بالطويلة، عزم موظّفو السِّكك على أن يكتبوا عريضةً إلى مدير مديريّة السّكك العامّة في بغداد، وهو آنذاك (صباح نوري سعيد)، نجل رئيس وزراء العراق وقتها، يطلبون فيها إعادة بناء الجامع من جديد بموادِّ البناء الحديثة، وطبقَ طرازٍ حديث، فوافق على هذا الطلب، وأرسل موادّ البناء، وتمَّ إعادة البناء من جديد بمُرفقات وملاحقَ جديدة، وأصبح البناء من مادّة الطابوق.
كان الجامعُ سابقاً قد بنى على أرض بطول (9) أمتار وعرض (17) مترا، وفي فترة التسعينيّات من القرن الماضي، تمّ هدم سقفه القديم ليستبدلَ بسقف جديد، إلّا أنّه كان بدون قُبَّة ولا منارة، واستمرّ هذا الحال الى عام (2014م)، حين أعيد بناءُ الجامع مرّة أخرى على نفقة نجل أحد المؤسّسين، وهو عبد الأمير حسين علي العبّودي، بالاشتراك مع أحد موظّفي السّكك، وهو الأستاذ عبد المحسن حَسن، فتمَّ تهديمُ البناء القديم وتوسعتُه، لتصبحَ مساحتُه الآن (360) مترا مربّعاً، وهي مساحة الحَرَم فقط ، وأمّا المساحة الكلّيّة للجامع مع ملحقاته، فتبلغ (1000) مترٍ مربّع تقريباً.
يحتوي الجامع على عَشرة أعمدة، ومن جملة الملحقات التابعة له: قاعةٌ لاستقبال الضيوف تقام فيها مجالس عزاء أهل المنطقة ( الفواتح )، ومخزنٌ، ومطبخٌ، ومغاسلُ.

أَنشطةُ المَسجِد

فضلاً عن دَورِ المسجد العباديّ المهمّ، فإنّ للمسجد أنشطةً كثيرةً؛ إذ يقوم العاملون فيه بإحياء المناسبات الدينيّة المختلفة، من شهادات وولادات أهل البيت عليهم السلام.
وكذا كان قد أُسّس في المسجد موكبٌ للخدمة الحسينيّة، كان له أنشطة بارزة منذ أربعينيّات وخمسينيّات القرن المنصرم، فضلاً عن موكبِ التشابيهِ، الذي يقيمه المسجدُ كلَّ سنة.
من أبرز المشتركين في هذا الموكب: الحاجّ عبد الحسين خلف، والحاجّ عصري عبّود، وحسن جودة، حفظهم الله تعالى.
وللمسجد مكتبةٌ تضمُّ مجموعةً من الكتب الدينيّة، علاوةً على كتب الأدعية والزيارات.
للمسجد تقاليدُ خاصّةٌ في زيارة الأربعين في ما مضى، وتحديداً في خمسينيّات القرن الماضي؛ ففي هذه المناسبة، يخرج أهالي منطقة السّكك الى زيارة الإمام الحسين عليه السلام في كربلاء المقدّسة، مستفيدين من قِطارٍ خاصٍّ بالبضائع يحتوي على عربات مغلقة يتمّ فرشُها بالبواري، وهي حصرانٌ من القصب، مصطحبين معهم الطعام والماء بكمّيّات كبيرة، متّجهين الى كربلاء العشق مباشرة، حيث يستقبلهم موكبُهم الخاصُّ وحسينيّتُهم الخاصّة في أيّام الزيارة، الموكب الذي يخدم فيه حوالي (50) شخصاً من المؤمنين، منهم: الحاجّ عبد الزهرة مري، والحاجّ حسين علي، وجواد علي، وناصر مثنّى، وعبد حطّاب، وسيّد عزيز، وكاظم جواد، واخوه حسن جواد، وغيرهم.

خُطباءُ المَسجِد وزُوّارُه

زارَ المسجدَ الكثيرُ من الشخصيّات العلمائيّة، أمثال: الشهيد السيّد جواد العذاريّ، والسيّد عبد الحكيم، والسيّد علي الصافي.
ومن الخطباء وخَدَمة المنبر الحسينيّ: السيّد عصام النفّاخ ، والشهيد السعيد الشيخ طارق الديري، والسيّد جابر آغائي، والشيخ داوود، والشيخ نوري الدِّكْسن.
ومن الرواديد: الملّا داود ، وخلف جاسم، وغيرهما.

مَواكبُ الوَلاء الحُسينيّ

يضمُّ الجامعُ موكباً باسم (موكب الإمام المهديعج)، وقد تأسّس بتأسيس الجامع المُبارك، وما زال هذا الموكبُ موجوداً الى الآن بالاسم نفسه، ولكن، توقّفَ نشاطُ الموكب في سنة (1970م) بسبب مضايقات البعثيّين، ثمّ أُعيد نشاطُه بعد سقوط ذلك النظام في سنة (2003م).
مُؤذِّنو المَسجد وخَدَمتُه
أوَّل من أذَّن في الجامع هو الملّا عبد الله سَلمان؛ إذ كان يصعد أعلى الجامع مؤذِّناً، وكانت منطقة السّكَك كلّها تعتمد عليه في مواعيد الصَلوات، وبعدَه، أخذ هذا الدورَ ولدُه الملّا نجم، وكذا الملّا ناظم رباط، والملّا عبد الحسن موزان، والملّا علي عبد الكريم عبد الزهرة، والحاجّ رسمي عودة حويّط، والملّا جبري، والشيخ عادل، وعلي سحالة، والحاجّ محسن، والملّا حيدر.

المُضايقات

مرَّ الجامعُ بمضايقات كثيرة؛ نتيجةَ أنشطتِه المهمّة التي يقوم بها، وخصوصاً مجالسَ العزاء التي كان يقيمها لسيد الشهداء عليه السلام في أيّام شهر محرّم الحَرام ، وكانت نتيجة هذه المضايقات تقديمَ كوكبة من الشهداء الأكارم، أمثال: المعلّم، الأستاذ راضي سلطان، وقاسم ياسين، ومحمّد محارب حمد ، وكريم عنيّد ، وزيارة عبيد ، ومحسن عبد، وعبد الجليل بدر، وكلُّهم قد أُعدموا على يد النظام الصداميّ البائد. رَحِمهم الله، وأسكنهم فسيحَ جنّاته برفقة ساداتهم أهلِ البيت عليهم السّلام.
مازال الجامعُ يقومُ بأنشطته المعتادة، يستقبلُ ضيوفَه لأداء أعمالهم العباديّة، ويحيي أمرَ أهل بيت النبوّة والكرامة عليهم السلام، وسيبقى إحدى منارات الهُدى في البصرةِ، يُستضاء به كما يستضاء بالنجوم في الليالي المظلمة.