كانت الحلة في القرن التاسع عشر الميلادي جزءاً من الإمبراطورية العثمانية، التي قسمت العراق على ثلاث ولايات، يحكم كل ولاية منها والٍ يختارهُ السلطان في الإستانة، مركز الخلافة، بقرار حكومي(فرمان)، يصدره الباب العالي، فتكون بيده مقاليد السلطة السياسية والعسكرية والإدارية دون اختيار من أهالي الولايات أو رأي، أو كفاءة تؤهل الوالي لشغل هذا المنصب.
كانت المحسوبية والوجاهة والقرب من الباب العالي لها الأولوية في الحصول على هذه المناصب، ويكون رضا السلطان عادة بكثرة الضرائب والعائدات التي يكسبها هذا الوالي، مما أوقع الولايات العثمانية وخاصة الحلة التي تعد ذات عائدية إقتصادية كبيرة للدولة العثمانية تحت طائلة الرسوم والضرائب التي أثقلت كاهل الحليين، والتي لم ينفق منها شيئ على الإعمار وإصلاح حال الناس، فتردى الواقع الخدمي، والعمراني، والمعيشي في تلك المدة.
كانت الدولة العثمانية بطبيعة الحال تسعى جاهدة لبسط نفوذها على كل أرجاء العراق، وإخضاع قبائله التي كانت تنتشر في طول البلاد وعرضها، إلاّ أن مشكلة (الباشوات) التي لا حل لها كانت القبائل، فهي لا تصبر على الضيم بحكم تقاليدها، فضلاً عن كره هذه العشائر للتسلط الأجنبي، لذلك اتبع العثمانيون سياسات عديدة ومتنوعة وخصوصا مع القبائل التي تختلف معها في المذهب، لفرض الهيمنة التركية عليها، ومن جملة هذه الأساليب والسياسات: فرض ضرائب مجحفة على الأفراد والعشائر، وقد تنوعت هذه الضرائب في مسمياتها، ففرضت ضريبة على الإنتاج الزراعي، وكانت هذه الضريبة على الورق وفي القانون هي (العشر)، بينما كان الولاة العثمانيون يستوفون خمس الإنتاج، وتتعدى ذلك أحيانا إلى تقاسم الدولة المزارعين إنتاجهم مناصفة، وربما أخذت ثلثي الإنتاج أحيانا مع الإهمال الكبير وعدم معالجة المشاكل التي يعاني منها الحليون كمشاكل الفيضانات، وانتشار الأوبئة والأمراض، وخاصة مرض الطاعون، كذلك اتبعوا سياسة القوة والبطش مع الإنتفاضات المحلية التي قامت ضدهم.
عانى الحليون من الأحداث الخارجية، وخاصة الحروب التي خاضتها الدولة العثمانية مع الدول الأخرى التي كان من أبرزها حرب القرم ( 1853-1856م) التي جرت (بين روسيا من جهة، والدولة العثمانية وبريطانيا وفرنسا من جهة أخرى)، فقد عانى أهالي الحلة من هذه الحرب بسبب تجنيدهم، وزجهم في ساحات القتال، أو جمع الأموال منهم بصورة قسرية لإدامة تلك الحرب. وعلى الرغم من انتهاء هذه الحرب إلا أن السلطات العثمانية المحلية استمرت في فرض التجنيد الإجباري، الذي جوبه برفض شديد في المناطق العشائرية، فانتشر العصيان والتمرد العشائري على السلطات العثمانية، ومن الأسباب الرئيسة الأخرى لتردي الأوضاع في الحلة فضلاً عن الحروب، هي إهمال السلاطين العثمانيين الموجودين في العاصمة (الاستانة) واستبدادهم وجهلهم وتبذيرهم للأموال، ففي عهد الوالي مدحت باشا شهدت أنحاء عفك والدغارة ثورة سنة (1869م)، وعرفت هذه الثورة بـ(واقعة الدغارة) أو (ذبحة المتصرف) وسماها بعضهم بمعركة (أُم العظام)، حيث شاركت فيها جميع عشائر المنطقة ضد السلطة، إذ امتنعت تلك العشائر عن دفع الضرائب المتراكمة عليها، وبعد أن استمر الشيوخ في امتناعهم عن دفع الضرائب المتراكمة وجه الوالي مدحت باشا أمراً إلى (توفيق بك) متصرف الحلة بالتحرك إلى منطقة عفك لإستحصال الضرائب، وطلب من الشيوخ الحضور إلى معسكره، غير أن الشيوخ امتنعوا عن الحضور إلا واحداً عامله المتصرف بشدة جعلت افراد عشيرته يثورون للإقتصاص من المتصرف، وسرعان ما عبر أفراد العشيرة النهر، وأحاطوا بجيش (توفيق بيك) وضربوا حوله حصاراً استمر ثلاثة أيام، ودارت المعركة بين الطرفين، قتل على أثرها المتصرف، وكبار ضباطه مع عدد كبير من الجنود.
إضافة إلى الضريبة الزراعية كانت الدولة العثمانية تتقاضى من القبائل ضرائب أخرى منها: ضريبة (البيتية)، إذ تستوفي بموجبها خمسين قرشاً ذهبياً سنوياً عن كل بيت أو كوخ تسكنه عائلة واحدة، ويتضاعف المبلغ حين تشغل البيت أكثر من عائلتين، كما تستوفي ضريبة على المواشي مقدارها (نصف مجيدي) في السنة عن كل رأس من الجمال والخيل والبقر والجاموس، وأثني عشر قرشاً عن كل رأس من الغنم والماعز والحمير. لم يكتف العثمانيون بهذا النهب المنظم للثروة، بل كانوا يلجأون أحيانا لإحصاء الأشجار، ووسائل الري، وفلاحي المنطقة لتقدير تلك الضريبة، أو يتم التقدير على أساس المساومة على مبالغ مقطوعة. وكانت خطورة هذه الضرائب تكمن في كونها اعتباطية تخضع لمزاجات المخمنين، فقد كانت الدولة العثمانية ترسل شخصين أو ثلاثة لتخمين مقدار الحاصل الزراعي المنتج من هذه الأرض أو تلك، وعرف ذلك (بالخرص)، ثم توضع المنطقة الزراعية في عهدة شيخ عشيرة يلتزم بدفع مبالغ مالية بمقدار المال المخمن مقابل تعيينه شيخا للعشيرة وعرف ذلك بمبدأ (الالتزام)، ومن الطبيعي أن ظلماً فاحشاً كان يقع على الفلاحين، فربما لا يفي الحاصل المنتج مع المقدار الحاصل المخمن مما يضطر الفلاح إلى شراء محاصيل من مناطق أخرى للخروج عما بعهدته من الإلتزام، فيعمل طوال السنة في الأرض ليخرج بعدها مطلوباً للحكومة العثمانية الجائرة، وقد بلغ التزام منطقة الهندية جنوب كربلاء مثلاً عام (١٨٨٤م) (١٧٨٠٠ ليرة)، ولم يشبع هذا المبلغ الكبير نهم الولاة العثمانيين، فعهد التزام المنطقة في السنة اللاحقة إلى شيخ زبيد على مبلغ قدره (١٠٥٠٠٠ ليرة). وفي السنوات (1873 - 1875م) تولى متصرفية الحلة شبلي باشا بعد مراد العزي، ويظهر أن الحلة جعلت بعد شبلي قضاءً تابعاً للديوانية. وعيّن فيها معاون للمتصرف، أو قائمقام وشغل هذا المنصب طه أفندي وبقى فيها إلى سنة (1294هـ /1877م)، وفي سنة (1295هـ/ 1878م) أعيدت الحلة متصرفية، وجعلت الديوانية تابعة لها، وعين أشرف باشا متصرفا لها.
كان لفرض هذه الضرائب المالية الثقيلة على العشائر العراقية عدة أهداف منها: ملئ جيوب الولاة العثمانيين وموظفي دولتهم، وضمان بقاء الوالي في السلطة على قدر سخاء يده مع السلطان العثماني ونفاسة ما يقدمه للسلطان من هدايا، ومنها إضعاف العشائر اقتصاديا، لشغلها عن مقاومة الإحتلال العثماني بالكدح سعياً وراء لقمة العيش، ومحاولة دفع العشائر خارج حدود العراق إلى البلدان المجاورة، للتخلص من العنصر الشيعي في جنوب العراق، واتخاذ استيفاء الضريبة وسيلة وذريعة لضرب القبائل وتدميرها عسكرياً، ولقتل أبنائها وتحطيم إمكانياتها البشرية والإقتصادية لئلا تشكل خطراً على السلطة العثمانية في العراق، وتحطيم المكانة الروحية لشيوخ العشائر عن طريق التدخل في تعيين الشيوخ الأكثر خدمة لمخططاتها حتى صارت مشيخة العشيرة تباع، فكان من نتائج هذه السياسة التخريبية وصول شخصيات فاقدة للكفاءة إلى سدة مشيخة العشيرة وتباري الشيوخ الطامحين في الزعامات لإرضاء ولاة المحتل الأجنبي التركي، خصوصا في الحالات التي كان يضع شيخ العشيرة عشيرته تحت تصرف المحتل العثماني لضرب ثورة عشائرية أو قمع حركة تحررية، كما حصل في الثورة المشتركة للخزاعل وشمر وزبيد، في زمن سعيد باشا بن سليمان الكبير عام ١٢٣١هـ-١٨١٦م، وإثارة الشحناء والبغضاء بين الأشخاص الطامحين بزعامة العشيرة، فقد كانت سياسة الحكومة متجهة إلى تمكين النزاع بين أمراء العشائر، ولم تترك أحدهم بلا ضد أو رقيب، أوتعيين الشيخ موظفاً لدى الدولة ثم تطور هذا الأسلوب حتى وصل إلى تقليد شيخ العشيرة الوظائف المدنية، فعين الشيخ قائمقاما، أومتصرفا (محافظ)، مما أبعد شيخ العشيرة عن هموم أبناء عشيرته ومشاكلهم وما يعانونه من الفاقة والفقر، وذلك عن طريق إتخامه بالمال، فخصصت لهؤلاء رواتب كبيرة وسجلت بأسمائهم أراضٍ واسعة لتزداد ثروتهم وضمان ولاء الشيخ للسلطة العثمانية الجائرة وربط مصائرهم بمصيرها، واستخدام هؤلاء الشيوخ للترويج لسياسة التتريك التي انتهجتها السلطة العثمانية في العراق لصالح العادات والتقاليد واللغة والثقافة التركية، فسادت الفوضی من الحلة إلی البصرة، وقد واجهت سياسة التتريك مقاومة عنيفة من أبناء الشعب العراقي وخاصة الحلة، ففي عهد الوالي محمد صالح وجيهي(1848م/1851م ) وجه نامق باشا- قائد الفيلق السادس في بغداد- ضربة قوية إلى بعض العشائر في الحلة، بسبب المشاكل التي كانت تثيرها ضد الحكومة، فطلب الوالي معالجة المشاكل العشائرية بالطرائق السلمية، في حين اختار نامق باشا استعمال القوة العسكرية، فعزل الوالي على أثرها، وتم تنصيب نامق والياً على بغداد، مع زعامة الفيلق وتسمى هذه الواقعة بواقعة (الوردية)، لأن إجتماع العشائر كان في أراضي مقاطعة الوردية، والظاهر أن هذه الواقعة هي التي عرفت بواقعة (بني حسن). وثارت عشائر الحلة في الجربوعية والهندية في عهد الوالي عمر باشا (1274هـ/ 1857م)، بسبب تطبيق نظام التجنيد الإجباري، وسياسته الشديدة فعمت الثورة الحلة، وفقد الأمن وقطّعت فيها الطرق. وقد أدت هذه السياسة التركية إلى نتائج كارثية، إذ دخلت الأجنحة المتصارعة على الزعامة في العشائر في حروب ونزاعات لا حد لها، ومضوا ضحية لسياسات المحتل التركي الخبيث
.
الحياة السياسية في الحلة في القرن التاسع عشر
صور من الموضوع ...