بنشّة...
معركة في ذاكرة الحلة
الإمام محمد تقي الشيرازي
الاتراك يغادرون مدينة الحلة
أخذ العراقيون يطالبون باستقلال بلادهم بناء على الوعود التي قطعها الإنكليز حين أعلنوا الحرب ضد العثمانيين باستقلال البلاد العربية، ومن جهة أخرى عدم تنفيذهم بنود (ولسن) في حق تقرير المصير، وتجاهلهم الحقوق المشروعة للشعب العراقي، ودعوة العلماء إلى الحرية والإستقلال، ومن بينها رسالة العلامة الشيرازي إلى الحاكم السياسي في الحلة (الميجر بولي)، والقبض على وجوه الثورة ونفيهم إلى هنجام، وكان من جملة المنفيين الميرزا محمد رضا نجل الإمام محمد تقي الشيرازي، الذي أصدر فتواه الشهيرة التي اتنفضَ جراؤها العراق بأجمعه (مطالبة الحقوق واجبة على العراقيين ويجب عليهم في ضمن مطالبتهم رعاية السلم والأمن ويجوز لهم التوسل بالقوَّة الدفاعية إذا امتنع الإنكليز عن قبول مطالبهم) .
الجيش البرطاني يدخل مدينة الحلة
طلب الحاكم العسكري في النجف الأشرف من العلماء الكبار أن يكتبوا للإمام الشيرازي رسالة مواساة، لنفي نجله الميرزا محمد رضا الشيرازي في اجتماع حضره الشيخ عبد الكريم الجزائري، والشيخ الجواهري، والشيخ عبد الرضا، ومعهم الحاج محسن شلاش، فقاطعه الشيخ عبد الكريم الجزائري وقال : أيّ ولدٍ يعنيه حضرة الحاكم من أولاد الميرزا الإمام الشيرازي (أهو حاج مخيف أم أولاده أحرار الحلَّة، أم أولاده رجال كربلاء، إذ أنَّه لم يبلغ هذه المنزلة التي هو عليها إلاَّ لأنَّه ينظر إلى جميع العراقيين بصفتهم أولاده).
الطائرات البرطانية تقصف الثوار
القوات الانكليزية في مدينة الحلة
وبعد صدور الفتوى صار العراقيون أكثر إقداماً وتحدّياً وارتباطاً بالعلماء، فاجتمع زعماء العشائر في دار عبد الواحد سكر بأمرٍ من سماحة الإمام الشيرازي، والقيادة في كربلاء وقد ثبَّتوا المطالب العراقية كآخر وسيلة لحقن الدماء، ومن ثمَّ سلَّموها إلى الحاكم البريطاني (الميجر نور بري)، وقد التفَّ العلماء ومراجع التقليد حول قيادة الإمام الشيرازي من أجل طرد المُحتل، وعندما رُفِضَت هذه المطالب استعد الجميع للإنتفاضة والثورة، وفي يوم الأحد 24شوال /1338هـ الموافق 11تموز /1920م تقدمت جيوش العشائر وواجهت قوّات الإحتلال وهي تزحف بين المناطق والمحافظات وقد تعدّدت وقائع ثورة العشرين ولكلِّ واقعة حديث طويل حيث الرميثة، والشامية، وأبو صخير، والكوفة، والنجف الأشرف، والرارنجية، وكربلاء، والحلّة، وبغداد .
إشتد ضغط القوات البريطانية على الأهليين، وبدت طلائع الثورة في الرميثة، فأرسلت إليها النجدات العسكرية من الديوانية، والسماوة، والحلة ولكنها لم تفلح في مهمتها، ولما اشتد لهيب الثورة حشد القائد الإنكليزي هولدي قواته العسكرية في الحلة، وأخذ الثوار يتقدمون للإستيلاء على الحلة، ولما علم الحاكم السياسي بالحلة ألح على قائد حامية الحلة (الكولنيل لوكن) بارسال مفرزة من جنوده إلى الكفل بقيادة الكولونيل (هارد كاسل) .
تقدم المجاهدون نحو جيش الإنكليز في الرستمية، فأحاطوا به، فانكسر الجيش الإنكليزي، ووصلت فلولهم إلى الحلة وغنم الثوار جميع معداتهم، وأخذ الثوار بالتقدم، وعسكروا في قرية الطهمازية، فحظرت الحكومة البريطانية التجوال، وأقامت شبكة من الأسلاك الشائكة حولها، ولكن ذلك لم يمنع الثوار من القيام بهجمات متتالية، واحتلوا المخفر فأرسلت الحكومة قوة من الهنود بقيادة الكولنيل (ابط)، فلجأ الثوار إلى المحال، والدور مثل محلة الجامعين، واحتال الأهالي لتهريب الثوار من الحلة بشتى الوسائل، وعبروا بهم الجسر إلى الضفة الأخرى، وفي الصباح أذاع القائد العام بياناً يطلب فيه من أهالي الجامعين مغادرة المحلة للتفتيش، واستعملت في ذلك البطش والقتل والقنابل، ويروي السيد هادي ناصر سعيد سلمان جوانب مهمة من بطولات شعبنا على لسان بطل من أبطال ثورة العشرين الشيخ المرحوم نجم العبود قائلاً: بعد معارك (أبو صخير) تحركت قوات العشائر باتجاه الكفل، وأخرى سلكت شرق نهر دجلة، لتلتقي بالقوات البريطانية المعسكرة في منطقة (بنشه)، وكان التحرك بإيعاز وتخطيط من القيادة العليا للثورة، الهدف منه اشغال القوات البريطانية، ومنعها من التقدم نحو مدينة الكوفة، وحوض نهري الحلة والهندية، فضلاً عن إجبار القوات الغازية على التقهقر باتجاه بغداد، وانزال أفدح الخسائر بها، من خلال شن حرب استنزاف للقوات المتجحفلة في منطقة (بنشة)، التي اصطدم فيها الثوار من أبناء العشائر مع القوات الغازية بمعركة رهيبة، استخدمت القوات البريطانية عشرات الآلاف من رشاشاتها وبنادقها، فشكلت سقفاً كثيفاً من الرصاص فوق رؤوس الثوار، الذين تخندقوا في المنخفضات والخنادق.
الحامية الانكليزية في الحلة
الثوار في مواجهة القوات البرطانية
رأى قائد القوات المعسكرة في الحلة أن يوزع قواته على الجهات المختلفة خارج الحلة، لتقوم بتفريق الثوار، فارسل بعضها على طريق طويريج والأخرى إلى الكفل وبعضها شرقا وشمالا، فتراجع الثوار، والطائرات تقصفهم، وهم يقاومونها طوال الطريق فأجبروا بعضها على الهبوط، ويذكر الشيخ عبود الهيمص، وهو لم يبلغ السادسة عشرة من عمره، أن من المشاركين في تلك المعركة سعود المخيف، وشقيقه عبدول الذي استشهد اثناء تصديه لطائرة إنكليزية، فتراجع الثوار إلى المدحتية . بعد هذا الهجوم إنسحب الثوار إلى قرية الطهمازية، وهنا قصفتهم الطائرات فاستشهد منهم إثنان وعشرون مقاتلاً، فانتقلوا إلى نهر عوفي ناحية الكص، وكان قائد القوات الإنكليزية يرسل بين حين وآخر قوات خارج الحلة لتفريق الثوار المحاصرين للحلة، فكانت ترجع بالخيبة والإنكسار، ومن القوات التي قادها (الكولونيل كوننكهام) التي أرسلت إلى بنشة، التي تبعد عن الحلة (5 كم)، في ( 23 ذي الحجة سنة 1338هـ - 7 أيلول 1920)، وكان قوام هذه القوة 3000 جندي بكامل تجهيزاتها مع ست طائرات حربية، فلما وصلت هذه القوة إلى بنشة قابلتها عشائر الأكرع، وعفك، والسعيد، والبو عيسى من آلبو سلطان فأخذت المدافع تطلق نيرانها، والطائرات تقصف، فهجم عليها الثوار فلم يبق للإنكليز إلاّ الفرار إلى الحلة، وقد ساعدت هذه القوة زوارق بخارية، مجهزة بالرشاشات التي أخذت تجوب شط الحلة وتضرب المجاهدين.
احتلت هذه القوات طويريج، فخفت وطأة الحصار على الحلة، الذي دام أربعة أشهر، عانت فيها الحلة من بطش القوات الإنكليزية، والغلاء، وانتشار الأمراض وإغلاق الأسواق، وتعطل الأعمال، ومنع التجوال .
السير ولسن
لقد خسر الجيش البريطاني مئات القتلى والجرحى، في حين فقد الثوار أكثر من مئة شهيد، وقد أسهمت المرأة الحلية في أحداث المعركة، وحث المقاتلين على الصمود والتضحية، ونسوق مثالاً على ذلك، الشاعرة الباسلة شزنة بنت حالوب، من عشيرة آلبو سلطان، وهي تصف شجاعة ولدها وبطولته التي أنزلت بالعدو خسائر فادحة بالأرواح في هذه الحادثة إذ تقول:
الله يادكة بنشة يوم اولدي للجيش طشه
حالوب اهو للزرع حشه مجرشة وللصوجر تجرشه
خلاها لشة فوكك لشه حوم او عالدنّة تعشه
أو لو بطش كله تعرف بطشه يا سوجر اشبلشك بلشه
كمت اتحارش بيه حرشة واطيتنه اذنك الطرشة
والشاعرة فطيمه من عشيرة الظوالم حين سألت أخاها عن ابنها فأجابها: لاجن هزيتي ولوليتي، ففهمت قصده بأن ابنها قتل، وضاع تعبها، فأجابته مفتخرة: هزيت ولوليت لهذا، أي ماولدت وماربيت إلا لهذا الأمر، ومنهن غالية آل حسون من عشيرة آل إبراهيم, وكذلك سومة من فخذ آل كيم من عشيرة آل فتلة، وكانت من أهل الهندية, وسكينة آل عسل من عشيرة آل إبراهيم، التي قتل أخوها عند هجومه على جنود الإحتلال في منطقة (المصلخ)، الواقعة في مدخل مدينة الحلة, وعفتة من عشيرة آل شيبة التي فقدت أحد أولادها في معركة (ونة) أو(صدوم)، قرب منطقة (قوجان) في الحلة, وكعية سلطان الخزعلي التي كانت ترافق المقاتلين في معركتهم في منطقة (الجبور)، بين قوجان والهاشمية حيث قالت :
آنة شاهدة الشاطي أو سلمان يوم النخاهم صدك دوهان
فاتوا مثل فوتة العكبان اولاهابوا أمن الجيش جيمان
عبد الواحد سكر
الملحمة انتهت عسكرياً، ولكن الحليين مازالوا يستذكرونها جيلاً بعد جيل، لما لها من وقع ثوري ووطني أصيل حين انتصرت الفالة والمكوار والسلاح الخفيف على الأسلحة المتطورة، وحين انتصر سلاح العقيدة، والإيمان على جموع الإحتلال المهزومة .
مزهر ال فرعون
معركة بشنة
صور من الموضوع ...