الوظائف الأساسية لمدينة الحلة
اكتسبت مدينة الحلة أهمية تاريخية واضحة منذ نشأتها، ويعود ذلك لما تقدمه من وظائف متعددة، وما زاد من أهميتها، موقعها المركزي بالنسبة للعراق، الذي أدى إلى جذب السكان من المناطق المجاورة لها.
ساحة الجبل في بداية الستينيات
لقد سهل وضع المنطقة السهلية من العراق على زيادة الوصول إليها وسهولته، ومن ثم أكسبها وظائف أخر غير الوظيفة السياسية التي أنشئت من أجلها، منها وظيفة النقل والمواصلات بحكم موقعها الاستراتيجي، علاوة على مرور نهر الفرات وقتذاك في جانبها الشرقي، مما جعلها على قول عبد الرزاق الحسني في كتابه (العراق قديماً وحديثاً) (ممراً مهماً لطرق المواصلات النهرية والبرية المتجهة نحو الكوفة، وكذلك طريقاً للحج البري ومأوى للحجاج).
شط الحلة مرفأ لنقل البضائع
جسر الحلة العتيق من جهة الصوب الكبير
إن هذه الأهمية لمدينة الحلة دفع بمركز الخلافة العباسية في بغداد لإنشاء جسر لها، وقد مد لها الخليفة الناصر لدين الله العباسي جسراً في سنة (580 هـ ــ 1184م) اهتماما بالحجاج واعتناء بسبيلهم، وكانوا قبل ذلك يعبرون في المراكب، فكان أول جسر أقيم فيها. وقد وصف هذا الجسر من قبل الرحالة العرب، الذين قدموا إلى الحلة، ومنهم ابن جبير الأندلسي إذ قال: وألفينا بها جسراً عظيماً معقوداً على مراكب كبار متصلة من الشط إلى الشط، تحف بها من جانبيها سلاسل من حديد كالأذرع المفتولة عظماً وضخامة، ترتبط إلى خشب مثبت في كلا الشطين تدل على عظم الاستطاعة والقدرة .
إن إقامة جسر بتلك الجودة والمتانة في حينه يدل على كثافة المرور عليه، ومن ثم الأهمية الكبيرة لعملية ربط المدينة ومجاورتها لعاصمة الخلافة بغداد، كذلك أصبحت عقدة لطرق المواصلات البرية، والنهرية بالنسبة للمنطقة الوسطى، والجنوبية من العراق.
تعد الحلة ممراً مائياً بين البصرة وبغداد، إذ جاء في رحلة المنشئ البغدادي أن الرجوع من البصرة إلى بغداد يكون في الغالب من شط الفرات إلى الحلة، بعد مضي خمسة عشر يوماً، تصل السفن من البصرة إلى الحلة، ومن الحلة إلى بغداد في يومين، وإذا ساروا بالسفن من البصرة إلى بغداد في طريق دجلة فيطول الطريق من 30 ــ 50 يوماً. ولذا يمكن القول إن هذه الوظيفة (النقل والمواصلات) تعد من أهم الوظائف التي ساعدت على ديمومتها واستمرارها بالوجود حتى وقتنا الحاضر.
الطبيعة الساحرة على ضفاف شط الحلة
إن موقع مدينة الحلة على نهر الفرات، الذي تغير مجراه بين وقت وآخر في نهاية القرن التاسع عشر، دعم وظيفتها التجارية، إذ إن هذا النهر كان طريقاً للمواصلات بين جنوبي السهل الرسوبي وشماله، وكانت التجارة صاعدة ونازلة فيه حتى أن أغلب تجار بغداد والبصرة يفضلون إرسال بضائعهم من مدينة إلى أخرى عبر هذا الطريق بدلاً من نقلها على دجلة حسب قول الأستاذ صباح محمود الخطيب في كتابه (مدينة الحلة الكبرى-وظائفها وعلاقاتها الإقليمية). وقد صارت مركزاً تجارياُ واسعاً للمناطق المحيطة بها، حتى ذاع صيتها بين الحواضر بحركتها التجارية، والاعتماد على الأسعار المتخذة في أسواق الحلة.
النواعير على ضفة الشاطئ
إن بروز وظيفة النقل والمواصلات، وارتباط الوظيفة التجارية بها جعلت مدينة الحلة تتمتع بأهمية واضحة، فأصبحت تؤثر على بعض المدن المجاورة لها. يقول الأستاذ ناظم الجنابي في كتابه (تخطيط مدينة الكوفة) ولما بنيت مدينة الحلة الواقعة إلى الجهة الشمالية الشرقية من الكوفة، أخذت الكوفة تفقد أهميتها تدريجياً، حتى صارت مدينة الحلة بعد تمتعها بهذه الأهمية مركزاً لتقاطع طرق المواصلات بين المناطق المجاورة لها وبين العاصمة بغداد ، مما جعلها حسب رأي الأستاذ عادل مرزة هادي في كتابه (متطلبات تخطيط النقل ضمن التصميم الأساسي لمدينة الحلة) تقوم في أحيان كثيرة بتقديم الوظائف المهمة التي تؤديها العاصمة وبالأخص عند نشوب الحروب والأزمات التي تتعرض لها. فقد اتخذها، على قول الشيخ يوسف كركوش، الخليفة المستعصم سنة 650هـ مقراً له لمدد متعاقبة، وأنشأ له دارا على شاطئ الفرات، ليقضي بعض أيام السنة في الحلة متمتعاً بطلاقة هوائها، وأريج نسيمها.
يذكر الأستاذ نوري عبد الحميد العاني في كتابه (العراق في العهد الجلائري) إن الحلة قد زادت أهميتها في عهد السلطان أحمد (من العهد الجلائري)، إذ اتخذها مقراً له وعاصمة للبلدان الخاضعة لإدارته وذلك سنة 797هـ ــ 1394م، وقد نقل إليها دواوينه، وسجلاته وموظفيه وجيوشه، وبقي فيها سنة كاملة، وبعد ذلك ولّى عليها أولاده، ومنهم السلطان طاهر سنة 805هـ-1402م، وعلاء الدولة مسعود سنة 810 هـ -1407م، وكان يزورها بين وقت وآخر.
مخطوطات حلية
من هذا يتضح لنا أن مدينة الحلة كانت البديل الجيد والمناسب عند حدوث الأزمات، والمشادات العسكرية والسياسية، والأدبية، في بغداد مركز الخلافة العباسية عاصمة الحكم التي مرت به، وفضلاً عن ذلك فإن الحلة صارت مأوى لبعض القبائل وسكان المدن المجاورة، عندما تشتد عليها الأزمات، ففي سنة 596هـ، دخل الحلة جماعة كثيرة من أهل الأنبار بسبب الإرهاق الذي لحقهم من قبل تاج الدين العلوي، ناظر نهر عيسى الذي يقع غربي بغداد، ويأخذ من الفرات ويصب في دجلة عند قصر عيسى بن علي العباسي.
وهنا يمكن القول إن الوظائف الأساسية التي اكتسبتها مدينة الحلة بعد نشأتها، زيادة على ما كان أمراؤها المزيديون، على جانب من الفضل والكمال وحب العلماء والأدباء، فقد أصبحت المدينة مركزاً حضارياً للإشعاع العلمي فأدى ذلك إلى أن تصبح (الفيحاء) دار هجرة لطلاب العلوم والمعارف وتدرجت في الشهرة والرقي حتى بلغت نهضتها العلمية أوج عظمتها، طوال القرن السابع للهجرة، فقصدها عشاق الفضل والكمال، وارتادها العلماء والبلغاء، وذاع صيتها حتى روت بعض الكتب الخطية أنه قد عاش فيها في قرن واحد زهاء خمسمئة عالم حسب عبد الرزاق الحسني في كتابه (العراق قديماً وحديثاً).
إن اكتساب الحلة للوظيفة العلمية واستمرارها مدة طويلة كان نتيجة لجهود أبنائها الغيارى الذين تتجلى فيهم سجايا العروبة الأصيلة، وكرم الأخلاق وسموها، وقد عملوا أن يجعلوا من مدينتهم موطناً للعلم والمعرفة، فحملوا راية الدين الإسلامي الحنيف ونشروا العلوم المختلفة حتى جعلوها قبلة لأنظار الناس يشدّون الرحال إليها ليتزودوا من علومها ويتثقفوا بثقافة الشريعة والدين.
الوظائف الأساسية لمدينة الحلة
صور من الموضوع ...