سوق الصاغة في الحلة
يحدثنا التأريخ أن الحِلي والمصوغات كانت في العصور الماضية تتخذ من العظام والعيدان والأحجار والقواقع، وبعد أن اكتشف الإنسان البابلي المعدن في عصر البرونز وعصر الحديد، ولاسيما معدن الذهب الذي عثر عليه في المناجم أو في قاع الأنهار ومجاري المياه ظهرت صناعة صوغ المعدن عن طريق صهره وسكبه في قوالب آجرّية، تعود إلى الألف الثالث والثاني قبل الميلاد.
إشتهرت صناعة الفضة والذهب في بابل، وكانت الفضة تدعى (كسبا)، وهذه التسمية ارتبطت بالذهب (دهبا)، فالذهب والفضة كانا عماد الإقتصاد البابلي منذ القدم، إضافة إلى استخدامهما في الحلي والمصوغات، لقد كان في ذلك الزمن الموغل في القدم أنواع من الصاغة، فهناك صبابو المعادن، وصاغة الفضة والذهب، وصانعو المجوهرات، حتى أنه بعد موت (أنكيدو) أمر جلجامش مختلف صنّاع المعادن الثمينة والأحجار الكريمة بصنع تمثال لصاحبه.
الحلي والمصوغات البابلية
إمتدت جذور هذه المهنة لتصل إلى الحلة التي عرفت محالا متفرقة في المدينة، أو في بيوتها في مختلف حقبها التاريخية، وفي زمن الدولة العثمانية كان سوق الحدادين الذي يقع اليوم ضمن سوق العلاوي سوقاً عامرة للصاغة، وكان في محلة الجامعين بقايا ورشة قديمة يجرى فيها تصفية الذهب، والفضة، فهناك عمليات طلاء الذهب، والفضة، والنحاس، وفن التطعيم بالمينا وغيرها، وفي مطلع القرن العشرين أنشأت عدة أسواق فرعية كسوق التجار، والقصابين ومنها سوق الذهب، وعند إكماله إنتقل اليه الصاغة، وكان عددهم يربو على خمسة وعشرين صائغاً، وتحول تدريجياً ذلك السوق إلى ورش لصناعة الفؤوس والمساحي، وأُغلق أخر محل للصاغة سنة 1966م، وكان يطلق على تلك المحلات سوق الصاغة المسلمين، الذي ألحق بالسوق الكبير عام 1976 .
ومن هؤلاء الصاغة المسلمين: نوري المرزوك والحاج عيسى، وولداه محمد وصالح، وعلاوي الصائغ، وحميد الدليمي .
وكان هذا السوق يسمى سوق الأوقاف لعائديته إلى دائرة أوقاف الحلة حيث أجريت عليه عدة تغييرات مهمة كان آخرها سنة 1986م، وعمل فيه العديد من أصحاب هذه المهنة من اليهود والصابئة والمسلمين .
قدم للحلة صاغة من كربلاء، والنجف، والسماوة، وطويريج، وافتتحوا محلات لهم فيه، وبذلك ازدهر السوق ثانية، وجاء بعدهم دخلاء على المهنة الذين تنقصهم الخبرة والحرفة بالعمل, فأصبح السوق كبقية محلات التجارة ليس لصاحب المهنة من فن، أو خبرة في المصوغة التي يتداول بها، بعد أن أصبحت التكنولوجيا الحديثة تضخ إلى السوق أنواع الزناجيل، والقطع الذهبية، مصنعة في ايطاليا وتركيا وألمانيا وغيرها من البلدان المتطورة، وتلاشت الخبرة التي كان الصائغ يملكها ويعدها سراً من أسرار المهنة.
بقى هذه السوق المهم كباقي الأسواق الأخرى يراوح في مكانه خلال المدة المحصورة بين عام 1970 إلى بعد سقوط نظام البعث البائد، وبعد هذه المرحلة المظلمة شهد هذا السوق كباقي الأسواق إزدهاراً كبيرا، حيث بدأت القدرة الشرائية للناس بالتطور، الأمر الذي انعكس بالإيجاب على صناعة الذهب وانتشار محال جديدة ومتميزة من حيث المكان، والمعروض فيها من المصوغات المحلية والمستوردة.
يحدثنا الصائغ عمران عبد الجليل عن هذه المهنة قائلا: تمتاز حرفة الصياغة بالفن والعلم معا، لأنها تجمع الفن بصورة الصنع والنقش والزخرفة بعلمي الفيزياء، والكيمياء وحتى علم المعادن، والصائغ يؤدي عمله في هذه المضامير العلمية مكتسبا خبراتها ومعارفها من والده أو أساتذته الذين إحترفوا هذه المهنة وهم يتعاملون مع أغلى وأثمن المعادن، وكل همهم هو إتقان الصنعة ودقة الإخراج للمصاغ من أجل نيل رضا الزبائن، وتباع المصوغات على أساس كمية الذهب والفضة والأحجار المستخدمة في المصاغ .
وقد شمل التطور التقني هذه الحرفة كما شمل بقية الحرف، حيث دخلت الآلة دخولا ميمونا وتنوعت الأجهزة التي توفر الوقت والجهد، ولكن تبقى نكهة وروعة الحاجة التي تصوغها اليد الماهرة ويعتني بها الصائغ وبأبسط أدوات دليلا على المهارة والخبرة التي يخرجها هذا السوق.