سوقُ الهَرْجِ ..
شيخ الأسواق مازال يحتفظ بضجيجه
تضم غالبية مدن العراق أسواقا شعبية غير متخصصة، فتسمى بأسواق الهرج لتنوع البضاعة فيها، وكثرة من يرتادها، فيكثر فيها الضجيج، وتعكس هذه الأسواق القوة الشرائية، والحالة الإقتصادية للمدينة، وهذا جزء من تأريخها الذي يمثل مرحلة من مراحل تطور المدينة.
مِنْ هذه الأسواق سوق الهرج في الحلة, ولايمكننا تحديد زمن تأسيس هذا السوق، لأنه قبل وجوده كان مدرسة دينية، وفي سنة 1872م افتتحت مكانه أول مدرسة حكومية في الحلة في عهد الوالي محمد رؤوف باشا وعلى عهد متصرفها مراد العزي، تم إنشاؤها في رأس سوق (الهرج)، وكانت قبلاً تسمى بالمدرسة (الزينبية) ويعتقد أنّها من مدارس الحلة إبان نهضتها، ثم بعد ذلك إندرست وحل محلها هذا السوق تدريجيا, والسوق يمتد من شارع المكتبات من الجهة الشرقية بخط يوازي السوق الكبير، وعلى جانبيه من الجهة الجنوبية منطقة السَّنِيّة القديمة, وله أيضاً عدة فروع وتشعبات تتفرع داخل هذه المناطق.
لا يخلو سوق الهرج من السلع الثمينة والنادرة، فهذا السوق يحفل بالغريب من البضائع التي تختلط فيه السلعة الثمينة بالبضاعة البخسة، وربما يجد المنقّب في البضائع المعروضة الكثير مما يعد ثمينًا لقيمته التأريخية أو الفنية، فمن التحف القديمة إلى المواد المنزلية والكهربائية، والساعات والأحذية، إلى العُدد القديمة لأصحاب المهن، والطيور والمسابح بكل أنواعها، كالسندلوس، والكهرب، واليسر، وكذلك سوق الدراجات، زيادة على الصور التاريخية والملابس بأنواعها القديمة والحديثة، كل ذلك يعكس صورة من المراحل الزمنية التي مر بها العراق تستحق الوقوف عليها.
إمتاز هذا السوق بكثرة مرتاديه من المتبضعين، أمّا ما كان يباع فيه فبعض الحاجيات المنزلية البسيطة أو لسد احتياج العوائل من المؤن والملابس آنذاك.
وجود هذا السوق وسط هذه المدينة جعل منه ملتقىً للأدباء والعلماء والمفكرين في ذلك الوقت, ولكنّ تطور الحياة وتوسّع المدينة خاصة عام 1934م, عندما اكتمل بناء السوق الكبير المحاذي له, أدى إلى عزوف مرتاديه عنه وقلتهم.
يعد هذا السوق شيخ الأسواق في المدينة ومولدها، وجامعة الناس، وموطئا لكل قدم ولسانا للمقيمين والمارين، يعرض فيه القديم وينشئ الجديد، وما بين القديم والجديد تباع الآف الأشياء وتُشتَرى.
وللسوق روّاده الذين تستطيع أنْ تميزهم، لكثرة ترددهم عليه، وفي السوق تنسى الزمان والمكان وتسرح بذهنك متخيلاً هذه الضجة التي يمكن أنْ تكون قد حدثت قبل مئات السنين، ويمكن مقارنة سوق الهرج في الحلة بسوق الهرج والغزل في بغداد، وخان الخليلي في مصر، وأسواق المغرب العربي، والخليج, وليس كلُّ الرواد يأتون للتبضع بل أنّ الكثير منهم يأتي بدافع الفضول والمشاهدة، بينما يقوم بعضهم الآخر بحمل أغراضه وعرضها للبيع داخل السوق, وفيه أيضاً جانب آخر لريافة وخياطة العباءات وبائعي تجهيزات وفرش الأعراس.
ومن الأمور التي يستذكرها أصحاب المحال في السوق أنّ متصرف لواء الحلة خيري الحافظ أمر أنْ يكون دخول العربات التي تجرها الخيول الربلات من داخل السوق وهذا يعني أنّ السوق لم يكن مزدحماً كما هو عليه الآن ولم تكن السلع المعروضة في وسطه، وكان أوسع مما هو عليه الآن.
سوق الهرج - حالياً - في الحلة مزدحم برواده طوال أيام الأسبوع، ولكنّه يزدهر صباح الجمعة بشتى البضائع والحاجيات، وتستطيع أنْ تجد كلَّ شيء من المواد المنزلية، والكهربائية، والملابس، والكماليات، والساعات، والهواتف النقالة، والأحذية، والتجهيزات الرياضية، وأدوات الكمبيوتر، والطيور، والمسابح، والدراجات، وأجهزة التسجيل، وكذلك الأدوات الزراعية، وغيرها.
وفي الآونة الأخيرة افتقر هذا السوق لنقص الخدمات، والعوز في العناية به من تنظيم الأسواق وتطورها، لما تحويه من تاريخ وتراث لصيق بتأسيس الحلة ومراحل تطورها وما يحمله من إرث وذاكرة تتردد في صدى الزمن.
سوق الهرج
صور من الموضوع ...