وداعا ...
جسور الحلة المتحركة
من معالم مدينة الحلة التي اندثرت وغابت عن أنظار أبناء الحلة جسر أبو البزونة، وكان موقعه مقابل حسينية إبن عجام، والذي مازال عالقا في ذاكرة الحليين على الرغم من مضي زهاء قرن على اندثاره.
يذكر الدكتور عبد الرضا عوض، في كتابه صفحات بابلية، أن هناك جسرا بني في الحلة في عهد الخليفة الناصر لدين الله العباسي، الذي تولى الخلافة سنة 575 هـ ــ 1195 م، وكان مهتما بمدينة الحلة لأن الحاج كان يسلكها إلى أراضي الحجاز، وكانت عملية العبور قبل ذلك تتم بواسطة القوارب .
جسر أبو البزونة
وكان الجسر خشبياً، لا يتجاوز عرضه مترين، يرفع جزء من منتصفه إلى الأعلى بواسطة رافعة لمرور السفن الشراعية الصغيرة والقوارب التي تحمل البضائع من وإلى المدن الفراتية، ومن مالكي السفن شعلان الحمد، وبيت البارود، وهما يملكان سفينة تلقب (حرب الدول) يسحبها رجال أقوياء، بواسطة حبال مثبتة بـ(تبلية)، وهي حبل متين مسلح بسلك من المعدن على شكل حلقة توضع على الكتف، أثناء إبحار السفن إلى أعالي الفرات حيث مدينة هيت، وتحمل البضائع والحبوب ومواد غذائية لبيعها للقرى المطلة على النهر، وتستمر مدة الذهاب أكثر من خمسة عشر يوماً، أما الإياب فيكون سهلاً حيث تسير السفن مع مجرى الماء محملة بمادتي (النورة والقار) لإستخدامهما في البناء.
وفي سنة 1917م حين احتل البريطانيون الحلة، نصبوا جسرا عسكريا يربط ضفتي النهر لتعبر عليه عربات القطار التي نصبت سكتها باتجاه مدينة الكفل، ونصب على أنقاض جسر كان قد شيد من قبل الدولة العثمانية لعبور قطعاتها العسكرية، وقد رفع هذا الجسر من موضعه إثر إنتفاء الحاجة لسكة قطار الكفل سنة 1922 م .
وفي سنة 1927م نصب الإنكليز جسرا في موقع الجسر العسكري الأول الذي رفع سنة 1922م، وسمي جسر( أبو البزونة ) لوجود ماركة الشركة المصنعة (القطة) في أعلى عارضة الجسر، أو لأنه عندما يرفع إلى الأعلى، أو يُفتح على جانبيه عند مرور السفن، حيث أنه كان جسراً متحركاً، يصبح شكله مشابهاً للقطة (البزونة)، وقد رفع هذا الجسر في نهاية الثلاثينيات .
الجسر الجديد في الحلة
جسر الأمير غازي هو الجسر الثاني الذي أنشئ بعد جسر القوارب في الحلة في ثلاثينيات القرن الماضي، وقد سمي باسمه، وكان موقعه في منطقة باب الحسين(عليه السلام) (مقابل حسينية عجام حالياً) في الجانب الكبير، أما في الجانب الصغير فكان يبدأ من المنطقة المحصورة الآن ما بين دائرة حقوق الإنسان وبناية محكمة استئناف بابل.
وقد نشرت جريدة حمورابي بعددها الرابع عشر، الصادر يوم السبت 12 تشرين الأول عام 1935م مايلي :
مراحل انشاء الجسر
أرصدت بلدية لواء الحلة مبلغاً مقداره (2400) دينار لإقامة جسر جديد يقوم مقام الجسر المتضعضع الأركان، وقامت مديرية الأشغال العامة بوضع تصميم فني له ليكون على غرار الجسور الحديدية العصرية، إذ هو من ذوات الفتحة الواحدة وله ممرات للذهاب والإياب، وفي وسطه ممر خاص لسير وسائط النقل .
يذكر أحد المعمرين أن هذا الجسر كان يؤجر من (مديرية الأشغال العامة) وأجرة العبور (عانة) للعربة، وفي إحدى المرات جاء رجل يحمل على كتفه خروفا حتى لا يدفع أجرة عبور الحيوانات البالغة فلسين، وبعد ذلك صدر أمر بإلغاء الضريبة، وفي أثناء مرور رتل عسكري بريطاني سقطت سيارة من الجسر في الشط فاستدعي رجل ضرير يدعى (أبو خماس) يمتلك نفساً طويلاً وأخرج الأسلحة والسيارة.
ويذكر أن الجسر كان يؤدي إلى محطة القطار في الجانب الصغير، من خلال شارع جميل يخترق بساتين النخيل بممرين للذهاب والإياب وحديقة وسطية فيها أنواع متعددة من الورود والنافورات، وفي وسطه ( ساحة ) نموذجية كتب على حوض نافورتها ( شارع الملك فيصل الثاني المعظم ) المزخرفة بألوان جذابة.
هذا الشارع هو المدخل الرئيس لمدينة الحلة من بغداد، ويصفه كبار السن بأنه يشبه شوارع لندن من حيث التنظيم والنظافة وكثرة الأزهار فيه.
الجسر الجديد في الحلة 1940
وتحدث السيد الحاج فائق أحد العاملين في هذا الجسر قائلاً: كنت أحد العاملين في بناء الجسر الذي يعرف محلياً باسم الجسر الحديد، وكانت أجرتي سبعين فلسا أتسلمها من المرحوم أسطة عباس القيسي، وكانت مواد البناء تستورد من لندن وعند اكتمال بناء الجسر هدم جسر الأمير غازي الخشبي، وأهمل شارع الملك فيصل المعظم، وانعدمت حركة العربات فيه فأصبح مكانا يتمشى فيه الحليون لقتل الفراغ وأحد أماكن لقاء الأصحاب والإجتماعات الحزبية السرية وأصبح يعرف بشارع ( أبو الدالغات) .
جسور الحلة المتحركة
صور من الموضوع ...