الشيخ رزوقي...
مربي الأجيال في الحلة
نبغ في الحلة منذ تمصيرها، الكثير من المفكرين والعلماء، فأصبحت داراً للدارسين والباحثين وملاذاً لطلاب العلم والمعرفة، حتى كان فيها زهاء خمسمائة عالم نبغوا في علوم مختلفة في قرن واحد، القرن السابع الهجري، كما كان لعلماء الحلة دورهم المبكر في النهضة العلمية من خلال التعليم في المساجد والمدارس العلمية والمجالس الأدبية.
حاول العثمانيون أن يؤسسوا المدارس الحديثة ومنها المدرسة (الرشدية) وكان موقعها في سوق الهرج، وكانت تدرس موادها باللغة التركية، ولم تكن هذه المدارس مستقرة لأن غالبية الطلبة يتركون هذه المدارس للدراسة في الحوزة العلمية، إلا أن بداية القرن العشرين شهدت الكتاتيب المنتشرة التي كانت تؤدي دورها في التعليم والدرس وتعلم مبادئ الأبجدية العربية، وشيء من الحساب، والتأكيد على حفظ القرآن الكريم، ومناقب أهل البيت (عليهم السلام)، وكان المعلم يسمى (الملّا) كما إن أغلب المعلمين، أي (الملالي)، لم يتخرجوا من مدارس أو معاهد منحتهم صفة التعليم، ولكنهم عادة ينحدرون من بيوتات علمية وأدبية، ولكن هؤلاء هم الذين رسموا فيما بعد الخطوط الأولى لتأريخ التعليم الحديث في الحلة، حتى تلاشت هذه الكتاتيب بمرور الوقت، ولكنها ظلت المؤسسات الأولى التي وضعت أسس التعليم الحديث، وكانت أول مدرسة ابتدائية في الحلة هي المدرسة الشرقية تأسست عام 1918م، كما إن أول مدرسة ثانوية في الحلة تأسست في سنة 1927م، وهي متوسطة الحلة، وكذلك تأسست في الحلة مديرية معارف الفرات سنة 1931م.
من أوائل من كان يعلم الأولاد في كتاتيب الحلة الشيخ عبد الرزاق السعيد أو الشيخ رزوقي, وكان شاعراً ضليعا من العربية، معروفا بالزهد لايتقاضى على التعليم إلا أجرا زهيدا، كما كان يحرص على إلتزام طلابه بالدرس، ويساعدهم، وقد اتخذ المسجد وبيته مدرسة للطلبة، وعندما أجبرت الحكومة الطلاب على الإنتماء إلى المدارس الحكومية, جاء الشيخ رزوقي بطلابه وكان عددهم أثنين وعشرين طالبا، وأفتتح الصف الأول في المدرسة الإبتدائية (الشرقية), فكان هذا الصف النواة الأولى لتاسيس المدارس وذلك عام 1918, وأطلق على الشيخ رزوقي لقب المعلم الأول.
ولد الشيخ عبد الرزاق سعيد اسماعيل محمد علي عبد الرضا حسين السعيد الأسدي في مدينة الحلة سنة (1881م), في محلة الطاق، وتتلمذ على أساتذة مرموقين كالشيخ حسن بن علي البصير، والشيخ علي عوض، والشيخ محمد حسين الحمد, حتى أصبح ملما باللغة العربية وآدابها، وتفسير القرآن الكريم، وتصدى لتدريس الطلاب في الكتاتيب في مسجد السيد مهدي القزويني عام 1905م, حتى تم انشاء المدارس الرسمية فعين في مدرسة الحلة الابتدائية، والتي سميت بعدئذ بالشرقية، فكان من المربين الفضلاء، وحرص الكثير من الطلاب على حضور درسه، وكان من طلابه الشيخ راجي مله اسماعيل, وطه باقر, ومحمد مهدي البصير, وعلي جواد الطاهر وغيرهم.
الدكتور محمد مهدي البصير
يقول عنه الدكتور محمد مهدي البصير: (إنتهى بي المطاف إلى كتّاب يديره بالإشتراك المرحومان الشيخ حسين البصير والشيخ رزوقي, وقد عين الشيخ عبد الرزاق السعيد فيما بعد مديرا لمدرسة الحلة الإبتدائية التي أنشاتها الحكومة البريطانية المحتلة, ثم عين بعد ذلك أستاذا للعربية في أحد ثانوياتها, وكان من خير من درس العربية في الحلة، وكان بعض أدباء البلد يختلفون إلى زيارة الشيخ رزوقي).
كان للشيخ رزوقي موهبة فطرية في نظم الشعر، كالقصيدة التي رثى فيها محسن القزويني سنة (1365هـ)، وتأبين السيد أبي الحسن عام ( 1947م)، كما كان له الحضور الواضح في إحياء الشعائر الحسينية، والمناسبات الدينية والإجتماعية، وشارك في المظاهرات الوطنية، ومنها مظاهرة الفيحاء بيوم فلسطين التي انطلقت من المتصرفية إلى حسينية إبن طاووس، حيث ألقى أكثر من قصيدة بهذه المناسبة ومنها:
بني العرب هبوا للدفاع فهذه فلسطين تدعوكم ومقلتها عبرى
خذوا بيد من يد الغاصب الذي يحاول تقسيما لها وبها أزرى
فأنتم ليوث الغاب في كل معرك وفي مجدكم طاولتمُ الأنجم الزهرا
ومن شعره قوله:
أيا مجلس الأمن اقترفت جناية بحكمك في تقسيم فاحتمل الوزرا
وجئت بها فلسطين الشهيدة حقها وللعرب في تدبيرها سلم الأمرا
كرمته أسرة المعارف بإقامة حفلة في ربيع عام 1945 بمناسبة مرور ربع قرن على تعيينه, والقيت كلمات وقصائد في المناسبة، ومنها القصيدة التي اشترك في نظمها أربعة من كبار الشعراء، وهم محمد علي اليعقوبي، ومحمد مهدي الجواهري والشيخ حسن الصغير، والسيد محمد سعيد الحبوبي، وبعد الإنتهاء من إلقاء الخطب والقصائد رد عليهم شاكرا بقصيدة مطلعها:
حفوتم بمن لا يستحق حفاوة و كرمتمُ شيخاً بزاوية ملقى
توفي الشيخ رزوقي في الخامس عشر من أيلول عام (1962)، عن عمر يناهز الثمانين عاماً قضاها في الدرس والتنشئة العلمية والأخلاقية، فاستحق لقب مربي الأجيال والمعلم الأول.