خطيب المنبر الحسيني...
الشيخ قاسم الملا
كان للمنبر الحسيني في مدينة الحلة ومازال ذلك الدور المشرف والرائد في النهضة الفكرية والعلمية والأدبية، ونشر التوعية والإرشاد والموعظة، وإبراز الموقف الجهادي والرسالي لآل البيت (عليهم السلام)، ومن الخطباء الذين كان لهم الأثر الفاعل والمؤثر في تجديد وتشييد المنبر الحلي الشيخ الملا قاسم الحلي.
كان الشيخ قاسم من خطباء الحلة ناظماً وناثراً وخطيباً ومحققاً له شهرته الخطابية التي تخطت حدود مدينته الحلة. ولد في محلة جبران سنة (1290 هـ -1873 م)، وقد سار هذا الخطيب الأديب على نهج والده الشيخ محمد الملا وتأدب عليه، ومنه تلقى فن الخطابة ورواية الشعر، وكان والده الشيخ محمد الملا من مشاهير أدباء الحلة الفيحاء، وصدور شعرائها المقدمين، و(من شيوخ صناعة الأدب)، على وصف الشيخ محمد علي اليعقوبي في (البابليات)، فقام ولده قاسم مقامه بعد وفاته سنة (1322هـ) أدباً وخطابة، وقد ذكر أن الذي يعرفه ويحتفظ به من شعر والده زهاء خمسين ألف بيت منها في رثاء الإمام موسى الكاظم (عليه السلام):
من مبلغ الإسلام أن زعيمه قد مات في سجن الرشيد سميما
فالغي بات بموته طرب الحشا وغدا لمأتمه الرشاد مقيما
ملقى على جسر الرصافة نعشه فيه الملائك أحدقوا تعظيما
فعليه روح الله أزهق روحه وحشا كليم الله بات كليما
نشأ الشيخ قاسم على طريقة والده في التأديب في الكتاتيب، فدرس على والده أدباً وخطابة، وجل تحصيله الأدبي من الشاعر المجيد الحاج حسن القيم فكان يعرض عليه كثيراً من قصائده، ويروي السيد جواد شبر في (أدب الطف): ورأيت في سنة (1398هـ) وأنا في الحلة في منزل ولد المترجم له، الملا عبد الوهاب بن الشيخ قاسم الملا أقول رأيت من آثاره الأدبية والشعرية مخطوطات كثيرة تدل على أدب واسع، وتضلع في الأخبار، والعقائد، والمناظرات كما حدثني ابن اخته السيد حبيب الأعرجي ـ أحد خطباء النجف ـ بكثير من روائعه ومواقفه الخطابية .
عاش الشيخ قاسم (84 سنة) قضاها في خدمة أهل البيت(عليهم السلام)، وإعلاء صرح المنبر الحسيني الحلي بوصفه الوسيلة الفعالة والمؤثرة في نفوس أهل الحلة، وخلف ديواناً كبيراً أكثره في مراثي أهل البيت(عليهم السلام)، وقد وظف ووثق في قصائده الكثير من الحوادث والوقائع التي مرت بها مدينة الحلة في الزمن الذي عاصره، ومنها ماهو في الأسرة القزوينية المشهورة بعلمها وأدبها وشرفها في الحلة الفيحاء، حتى ودع الحياة ليلة الأربعاء رابع ربيع الثاني 1374 هـ - 1954م، وحمل إلى النجف بموكب من الحليين، ودفن في وادي السلام، وأقيمت له التعازي، ورثي بقصائد كثيرة .
ومن شعره في علي الأكبر بن الحسين (عليهما السلام) :
إلـيك رسـول الله جـئت معـزيـاً بقاصمة للـدين قد قصـمت ظهرا
شبيهك في الأخـلاق والخلق أودعت محاسـنه في كـربلا بـثرى الغبرا
ذوى غـصنه من بـعدما كان يانعا وبالرغم ريح الحتف تقـصمه قسرا
فيا ليل طـل حزنا فليـلى بنـوحها وأجـفانها إن جـنها ليلـها سهرى
تعط الحشا لا البرد حزنا على ابنها وأدمت أديـم الخد من خدشها الظفرا
فأرخت على الوجه المصون أثيثها وطرف أبيه السبط من طرفها أجرى
ولـم أنسـه لما عليه قـد انحنى واحـشاؤه حـزنا مسعـرة حـرى
ينادي عـلى الـدنيا العـفا ونداؤه عليه عظيم شجوه يصدع الصـخرا
بني جرحت القـلب مني فـلم أجد لجرحك طول الدهرغـورا ولا سبرا
بني تركت العيـن غـرقى بدمعها وجذوة قلبي حرها يـضرم الجمـرا
ومن شعره في أهل البيت(عليهم السلام) يذكر مصائبهم :
نوى العـترة الهاديـن أضرم مهجتي وبـين حنايا أضلعي قـد تـوقـدا
خلت منهم تلك العـراص فـأقفرت وقد عصفت فيـهن عاصفة الردى
وكانـوا مصابيحا لخابطـة الـدجى إذا قطـعت فـي الليل فـجا وفدفدا
تنـير بـه أحـسابهـم ووجـوههم فبـعدهـم ياليـت أطبـق سرمـدا
ونـار قـراهـم قـد رآهـا كلـيمه فعاد بـها فـي أهله واجـدا هـدى
وسحـب أيـاديـهم يـسح ركـامها ومنهـلهم للوفـد قـد ساغ مـوردا
وله يرثي الإمام الحسين (عليه السلام):
أهاجك برق كاظمة لموعا فزدت به على شغف ولوعا
وقال في مطلع هلال محرم الحرام قصيدة مطلعها :
غب يا هلال محرم بحداد حزناً على آل النبي الهادي
وأخرى في الامام الحسن الزكي السبط (عليه السلام) وأولها :
هجرت الكرى ولذيذ الوسن لما ناب سبط النبي الحسن
وله رائعة في عقيلة الوحي زينب الكبرى(عليها السلام) أولها :
تجنى عليّ الحب وهو محبب وأمرضني وهو الطبيب المجرب
وفي آخرها :
وإني أرجو أن أزورك قاصدا فمنك ومن آبائك الخير يطلب
عليكم سلام الله ما دام ذكركم أفـوه به بين الأنـام وأخطب
وله لما زار مرقد الإمام الحسين (عليه السلام) في العشرين من صفر سنة 1311هـ:
زرت ابن خير الورى جميعا والنفس قد أدركـت مناها
شمـمت روح الجـنان لـما شممت ريحانـة ابن طاها