تنعم محلاتنا بدفء أمها الحنون، الحلة الفيحاء، التي تسمو في آفاق رحبة بين المدن العراقية الكثيرة، ولكل من هذه المحلات قدم وشهرة، واليوم نسلط الضوء على واحدة من هذه المحلات العريقة، التي تعد من أشهر مناطق الحلة، فقد ذكر المؤرخون أن من أشهر أحياء الحلة، محلة الجامعين، والأكراد، والكلج.
على الجسر القديم نتطلع إلى رحاب محلة ساحرة تغفو على ضفاف شط الحلة، محلة آثرت أن تشرع ذراعيها لتضم أبناءها، فقام على بوابتها سوق العمّار الذي مازال مفرقا فاصلا بينها وبين محلة الوردية، إذاً فهي:
محلة الكلج العزيزة، التي تقع على الضفة الشرقية لنهر الحلة، وتطل في حدها الغربي عليه فقد نشأت هذه المحلة الجميلة على أنغام أمواجه الهادئة وترعرعت على نعومة رمال خده الكبير.
الشناشيل تطرز بيوتات الكلج
جاءت تسمية محلة الكلج نسبة الى قائد تركي اسمه (قليج باشا) الذي نزل بجيشه في المحلة إبان الحكم العثماني، ويلقب بعض أبناء المحلة البعض الآخر بلقب (كلكاوي).
كانت محلة الكلج مرفأ للسفن الصغيرة التي تحمل الحبوب والحطب، من مناطق شتى حيث يقوم العمال بجر هذه السفن بالحبال لترسو على شاطئ شط الحلة الكبير في ذلك الزمان.
سكان الكلج مزيج متماسك من العلاقات الاجتماعية، كانوا قد استهوتهم المدينة للسكن والاستقرار فيها، وكانوا متمسكين بالتعايش السلمي فلم يحس أحدهم بالغربة ولم يشعروا بالمضايقة حيث سادهم الترابط الأخوي النبيل، ولم يختلفوا إلا في عمل ومهنة كل منهم، ولم يتفرقوا إلا إلى أماكن عملهم، وعصرا يجمعهم الشوق إلى نسمات الشاطئ الجميل، حيث يخرج المهندس والكاسب والعامل والفلاح للتنزه والترويح عن النفس على ضفاف شط الحلة، فيتمتعون بمنظره الجميل وهوائه العذب.
أزقة الكلج الضيقة
يعيش جميع أهل المحلة حالة من الفقر وبيوتهم في مستوى لا يزداد أحدهم عن الآخر بشيء، ومع هذا فإن أبناءهم قد حصلوا على شهادات مرموقة في العلم والأدب والفن والرياضة.
ومن أشهر الأزقة (العكود) في محلة الكلج، التي حافظت على خاصيتها هي: عكد الأصفر، والعكام، والبوابة، والنهر، وعكد الطمة.
عرفت عوائل محلة الكلج بالكرم والطيبة والأخلاق الرفيعة، ولا نريد أن نميز إحداها عن الأخرى، إلا أن بعض عوائل المحلة ذاع صيتها واشتهرت في المحلة وخارجها ومن أشهر هذه العوائل، عائلة خضير الخاجي، وأسرة آل ردام، وآل الحسون، وعائلة المطيري.
أما أشهر بيوتات محلة الكلج فهي: بيت العميدي، مال الله، العكام، بربن، الحسون، عمارة، سيد جميل، كريم النداف، رديف المختار، الفلوجي، أسطة جابر، بابور، الجبش، محمد الكردي، دوحي، الدرداوية، الحاج ملك نورالله، آل توفيق، بيت زهير وشقيقه برير، وبيت المطيري، الدوري، بله، وبيت المراح.
ولمحلة الكلج دور ريادي في استذكار واقعة الطف الأليمة، فلها موكبها المعروف بها منذ زمن بعيد، ومن أشهر وجوه هذه المحلة خادم الحسين (عليه السلام) حسين علي الناجي، والسيد رحيم العميدي، والشيخ صبري، والسيد فتحي العميدي، وحسن الحاج محسن.
ولم تخل محلة الكلج من بيوت الله التي كان يؤمّها المؤمنون في أوقات الصلاة ومن هذه المساجد: مسجد بيت مال الله، ومسجد السيد حكيم العميدي، وهما داخل محلة الكلج، ومسجد الشط الذي درست معالمه اليوم، وقد اختص الشيخ علي بلقب مؤذن المحلة، ومرقد بنت الحسن (عليه السلام).
محمد جاسم المطيري
كان أهل المحلة ينامون بعد قضاء ليلتهم الرمضانية ويستيقظون على صوت المسحرجي عباس الأعمى، أما البلّام فهو المرحوم الأستاذ كاظم خنوس.
وكان للأدب في هذه المحلة المتواضعة حيز كبير حيث نبغ فيها الكثير من الأدباء وأبرزهم القاص والروائي الصحفي أنور شاؤول، والناقد والأكاديمي الباحث الدكتور خليل إبراهيم جميل، والأديب القاص عباس البغدادي، والأديب الشاعر محمد كاظم جواد، والأديب الشاعر حمزة صالح الصباغ، والشاعر والناقد أمجد ناصر الحسون، ومن أوائل المعلمات في المحلة، المربية الفاضلة ليلى عبد الوهاب هبة، وأول عامل تلفون في الحلة، كان إبراهيم خليل دبّي من محلة الكلج بعد نعيم عودة.
وتبقى الكلج بقامتها الممتدة على ضفة شط الحلة رئة المدينة وحضنها الدافئ، وعلى الرغم من اسمها الحديث نسبيا قياسا إلى محلات الحلة الموغلة في القدم إلا إنها عريقة الجذور قد حملت بين جنباتها وذاكرتها الكثير من الأحداث التي تؤرخ لهذه المحلة بوجهها التراثي الأصيل.
الكلج محلة الحلة الوادعة
الكلج مرفأ الحلة الصغير
صور من الموضوع ...