محطات تراثية
جبران ...قلب الحلة النابض
جبران تلك المحلة الشعبية التي ترقد على ضفة شط الحلة، تحمل الإرث التراثي والمعماري الخلّاب لمدينة الحلة، تلك الأزقة التي تربى فيها العديد من الأدباء والعلماء والمفكرين، فكانت شريان المدينة الحضاري الدافق.
حدود محلة جبران تبدأ من جسر سعد الذي يطلق عليه الحليّون اسم ( جسر الهنود)، ومن الجانب الآخر محلة (الطاق ( وهي المحلة التي تحاذي جبران.
وبينما كنا نتجول بين أزقة هذه المحلة التقينا بالحاج أبو علي وهو من ساكني هذه المحلة فحدثنا عنها قائلا : إن محلة جبران من أقدم المحلات في مدينة الحلة, كما احتوت محلة جبران أيضا على العديد من المساجد التي ما زالت قائمة إلى الان منها : ( مسجد سوق التجار ، مسجد عكد المفتي، والمسجد الكبير وغيرها ) وكذلك احتوت على كثير من الأسواق الشعبية منها ) سوق الصفارين، سوق النجارين، سوق الهرج، سوق الجللجية (السراجين) وأسواق اخرى )، وايضاً كان فيها المسابك أو (المسابج )التي يزيد عددها على خمسين مسبكاً حيث تقوم بصناعة الدبس والراشي والحلاوة بأنواعها.
وكان من المارة الأستاذ عدي الطائي فسألناه عما تميزت به هذه المحلة فقال : لقد تميزت المحلة كما المحلات الأُخرى بتعدد أزقتها المسماة (بالعكود), ولكل زقاق تاريخه ورجاله وبيوتاته، ومن هذه الأزقة :
عكد المفتي: بدايته من شارع الإمام علي( عليه السلام) حتى سوق الحلة الكبير, وهو الأول القادم من منطقة باب المشهد، وهو أطول أزقتها، إذ يبلغ طوله (80 متراً) يربط من جهته الجنوبية شارع الإمام علي (عليه السلام ) الذي كان يسمى قبل عقدين شارع (المنتجب) وبين سوق الحدادين من فرع سوق العلاوي من الجهة الشمالية للزقاق وأصل تسمية هذا الزقاق بـ(المفتي) كما يروي الحليّون تعود لقرنين تقريباً حين كان المفتي يمثل أعلى مراتب الاجتهاد الديني في عرف السلطة العثمانية آنذاك . إذ أوكلت الدولة العلية العثمانية في استنبول إلى الشيخ محمود الزهاوي، وهو من الأصول التركية سلطة الإفتاء في الحلة فاتخذ من هذا الزقاق سكناً له فحمل الزقاق اسمه حتى اليوم.
عكد بنات الحسن : بدايته من عكد الجياييل, وينتهي عند بداية شارع الإمام علي (عليه السلام) ،وتميز هذا الزقاق ببيع الدهن الحر والألبان والدبس والراشي.
عكد بقلي: جاءت تسميته من عائلة آل بقلي العبيدي ويبدأ من شارع الإمام علي ) عليه السلام ( موازيا لعكد المفتي وطوله 50 متراً، وهو غير مغلق من الجانب الآخر ويستمر الداخل ليدلف في (عگد فرعي) عريض يضم بيوتاً متقابلة وفي نهايته تتفرع عدة (عگود) طويلة وضيقة، والقاسم المشترك بينها أنها مغلقة، ومن اشهرها (عگد الضيك) .
وكانت تسكن المحلة العديد من العوائل والأسر الحلية العريقة ومنها : عائلة آل عجام، وعائلة آل شريف، وأسرة آل جوهر، وآل الماشطة، وغيرها .
أما الحاج ناظم أبو مهدي فقال متحدثا عن السنية وارتباطها بمحلة جبران : إن السنية هي منطقة صغيرة تابعة لمحلة جبران، وتمتد بجانب شط الحلة ومحاذية لها، وتتبعها إدارياً إن صح التعبير، فمختار جبران هو نفسه مختار السنية، وإن معظم ساكنيها من عشيرة ربيعة, وقد تعددت الآراء حول تسمية هذه المحلة فمنهم من يقول إنها مشتقة من امرأة كانت تمتلك تلك الارض واسمها( سنية)، وآخرون يقولون أن التسمية اخذت من المكان الذي تصدر منه الأوامر السنية في العهد العثماني.
واضاف قائلاً : اشتهرت محلة السنية بكثرة المقاهي الشعبية التي منها: ( مقهى حجي طالب ،ومقهى أبو جمال، ومقهى ياسين، ومقهى فاضل، ومقهى أبو سراج(, وايضا احتضنت العديد من المدارس واشهرها) المدرسة الشرقية والمدرسة الفاطمية وروضة العروبة) .
إن هذه المحلة قد حملت في ذاكرتها، وعلى مر الحقب الزمنية الكثير من الأحداث ومنها معركة الحشاشة التي أنتصر بها أهل الحلة على العقيلين، وبعض جندرمة الدولة العثمانية، في خان الحشاشة، وفي كافة النواحي السياسية والثقافية والاجتماعية وغيرها فكانت قلب المدينة النابض وشريانها الدافق.