الماضي الجميل والحاضر الأصيل
محلة الأكراد اسم غادر مسماه، ولكنه مازال يحتفظ بكل ما للمحلة من إرث أصيل وجميل، فها هي بيوتها تأخذك بشناشيلها، وطرزها المعمارية إلى سحر الماضي، وهاهم أهلوها تجد فيهم معدن الإيمان، وشرف الفرسان، تبحث بين جدرانها عن رحلة في أعماق الخيال، يوم كانت سيدة الجمال والآمال.
تعد محلة الأكراد من أقدم المحلات في مدينة الحلة، وتقع في الجانب الشمالي لمحلات الحلة السبع القديمة، ويحدّها من الجانب الشمالي والشرقي نهر الفرات ومن الغرب محلة التعيس.
سُميت محلة الأكراد بهذا الاسم نسبة إلى قبيلة (جاوان) الكردية التي قامت بأدوار خطيرة في التاريخ العراقي الإسلامي، وشغلت هذه البقعة القريبة من شط الحلة وبنت عليها بيوتاً وسكنت فيها، وقد كانوا قبل مجيئهم إلى الحلة يسكنون الجانب الشرقي لنهر دجلة حيال طريق خراسان، ويذكر الفيروزآبادي صاحب (القاموس المحيط): جاوان قبيلة من الأكراد سكنوا الحلة منهم الفقيه محمد علي الجاواني ، وقد استعان بهم الأمير سيف الدولة صدقة بن منصور بن مزيد الأسدي في محاربة أعدائه، وجعل منهم ضباطاً فكانوا كاليد اليمنى له، ويقول البلاذري: إنهم جاؤوا من خراسان وايران ، وهنا يتجلى القول بأن الجاوانيين هم زعماء وقادة للجيوش في تلك الفترة، ومن أحسن القبائل أثرا في الأدب العربي، ولاسيما الشعر لإقبالها عليه والدعوة إليه وإلى جانب ذلك برز منهم رجال علم وتأليف منهم: ورام بن أبي جعفر(ت 605ﻫ) مؤلف كتاب( تنبيه الخواطر ونزهة النواظر)، والعالم الأديب محمد بن علي بن عبد الله بن حمدان( 468 ـ 561 هـ), ومحمد بن احمد الشاشي، وعلي بن محمد بن علي، والفقيه المفسر عماد الدين أبو الحسن الطبري الملقب بـ(الكيا الهراسي)(ت 504هـ) .
وفي النص المنقول عن (مروج الذهب) أن قبيلة (جاوان) كانت في أواسط القرن الرابع من الهجرة من أشهر القبائل الكردية، وقد ذكر هذه القبيلة العماد الأصفهاني في (خريدة القصر) في القرن السادس للهجرة، كما ورد ذكر المحلة في أخبار أحد القادمين للعراق في أواخر أيام الدولة الايلخانية، وهو شهاب الدين أبو سليمان أحمد بن رميثة بن نجم الدين أبي نمي محمد العلوي الحسني المكي، وقال ابن عنبة في (عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب): ولما ضاق به الأمر توجه إلى محلة الاكراد، وكان قد نهبها مرارا، وقتل جماعة من رجالها، إلا أن الاكراد لما رأوه قد خذل أظهروا له الوفاء، ووعدوه النصر، وتعهدوا له أن يحاربوا دونه في مضايق دروب الحلة ، ومن الباحثين من يرى أن هذه البقعة كانت زراعية وتسكنها طبقة الفلاحين الذين يسقون مزارعهم بواسطة آلة يصنعونها بأنفسهم تسمى (الكرد) وجمعها (الكرود)، التي كانت تُنصب على ضفاف شط الحلة، ولا دليل على هذا، والتاريخ لا يثبت ذلك، ويذكر أحد الباحثين: أن قبيلة جاوان كانت على المذهب الشافعي - وهذا ما ثبت في ألقاب بعضهم - ولكن السكن في مدينة الحلة وعيشهم مع قبيلة بني أسد والقبائل الأخرى اندمجوا مع المجتمع وأصبح مذهبهم شيعة أثني عشرية وباتت محلة الأكراد وأهلها الطيبون علماً في سماء الحلة وأبناؤها الموالون السباقون إلى الخير المتميزون بإقامة الشعائر الحسينية، فتأسس موكب محلة الأكراد في عام (1918م) وكان من مؤسسيه السيد مهدي الشلاه، والسيد حسين السيد ذهب، وهادي زيدان، وحسن مصطفى، وهاتف السلمان وغيرهم من الشخصيات المعروفة آنذاك.
محلة الأكراد كبيرة بأهلها وتاريخها، وقد سكنها الكثير من الشخصيات الحلية، أمثال السيد هادي كمال الدين (ت 1968م) صاحب كتاب (فقهاء الفيحاء)، وبعض الرموز الوطنية التي قاومت الاحتلال البريطاني مثل علي الحمادي الحسن، ومن رجالات هذه المحلة الذين لهم دور مؤثر في الحياة الثقافية السيد محمد حسين الشلاه، والشيخ عبد الرزاق السعيد، والشاعر هادي جبارة الحلي، والسيد أمين السيد لافي، والسيد عطية، وآل مهاوش الذين أسهموا في معركة الدفاع عن الحلة ضد القائد العثماني عاكف بيك، ومنهم العالم العراقي الدكتور جليل كريم أحمد الخفاجي.
شيدت في المحلة عدَّة مساجد، منذ تأسيسها حتى يومنا الحاضر، أهمها مقام الخضر (عليه السلام)، ومسجد (الشط)، ومسجد (بيت الحمر)، ومسجد (بيت أبو عصا)، ومسجد (عكد السادة)، ومسجد (الأكراد،) ومسجد الإمام علي (عليه السلام)، ومسجد (آل سيد ذهب)، ومسجد (الهيتاويين)، وفيها مرقد العلامة الجليل الشيخ ورام، وهذا المرقد هو الحد الفاصل بين محلتي التعيس والأكراد.
وكان للأدب الحلي مكان متميز في محلة الاكراد، فهناك مجالس أدبية مثل مجلس عبد السلام حافظ الذي اهتم بقراءة تفسير نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ومجلس آل مهاوش.
وكان في المحلة سوق كبير وهو سوق (السويكة)، وجاءت تسميته نسبة إلى ساقية صغيرة تنقل المياه من شط الحلة إلى البساتين، ومن أهم العكود (الفروع) التي احتضنتها محلة الأكراد عكد (السادة)، و(الفلاح)، و(الشط)، و(الجواني)، و(الباشا)، و(الزبيدي)، و(السويكة)، و(الحاج تالي)، و(لافي)، و(بيت غزالة)، (الهيتاويين).
كان معظم سكان محلة الأكراد يمتهنون البناء، وصيد الأسماك، وبعض المهن الأخرى، وبعد الانفتاح والتوسع العمراني الذي حصل في مدينة الحلة ترك أغلبهم المحلة وسكن في الأحياء الجديدة، ولكنها بقيت تحتضن الوافدين وتودع الماضين تاركة على جدرانها المنحنية ذلك التراث الحلي الذي يؤرخ لتلك المحلة وماضيها العريق.