أهتمت الشريعة السماوية بطلب العلم اذ نطقت عن لسان رسولها صلى الله عليه وآله :
« طلب العلم فريضة على كل مسلم » وما طلب العلم إلاّ سمة العلوّ ، وشتان بين المتعلم والجاهل وما أحلى أن يكون العالم مخلصاً وما إخلاصه إلاّ محض عبادة وتأدب وارتباط مع صاحب السماء، فتعلّمَ العلماء كيف يدوّنون علمهم من وعاة العلم ودعاته وهم الأنبياء والأوصياء (عليهم الصلاة والسلام )، فهذا الإمام أمير المؤمنين (عليهالسلام ) في حديثه يقول : « ان كمال الدين طلب العلم والعمل به »، وقد دأب علماؤنا الأعلام على تدوين شتّى فنون العلم وتقييد مسائله وتصنيف موضوعاته وبذلوا في ذلك من الجهود العظيمة ما استفرغوا به الوسع وأمكنتهم الطاقة لتعود ثمرات جهودهم على أمتهم بالخير العميم والعطاء الجسم، حتى أخذوا يرتقون بأممهم الى حيث الرُّقى، فنحن نشكر لهم ذلك أيّما شكر وذلك لحفظهم تراث الدين وعلم النبي ( صلى الله عليه وآله ) وأوصيائه ( عليهمالسلام ) وما أحلى أن يكون جمع هذا التراث والعلم في مكان هو مرآة لوجه الله تعالى وفي بلد العلم ، الحلة وما أدراك ما الحلة بلد الأربعمائة مجتهد، مدينة بلغ بها الرجل الإجتهاد قبل سن بلوغه، مدينة يوصّى فيها الوالد من قبل أبيه وعمره سبع سنين بالكتابة، ففي كتاب ( كشف المحجة ) للسيد الأجل ابن طاووس الحلي وهو وصايا لولده، قال لولده : يرفعه الى المفضل بن عمر قال ، قال أبو عبد الله ( عليهالسلام ) « اكتب وبث علمك في إخوانك، فإن مت فورّث كتبك بنيك فإنه يأتي على الناس زمان هرج ما يأنسون فيه إلا بكتبهم ».
ومالمدرسة الزينبية في الحلة إلا هي حرم مقدس شيدت لنشر علوم فكر مدرسة أهل البيت الطاهر( صلوات الله وسلامه عليهم )، قال تعالى ( فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لاتعلمون ) فاحتضنت جدرانها الدافئة جمع غفير من طلاب العلم وظللت عليهم توفيقات العليم الحكيم فتخرج منها فئة من رجال العلم والأدب والفلسفة من العلماء الافاضل .
نسبت تسمية هذه المدرسة إلى زينب بنت الامام علي (عليه السلام)، وقيل نسبة إلى زينب بنت يوسف الآبي المتوفى سنة (699ه) وهو الأقرب؛ ، وقد نشأت في القرن التاسع الهجري تقع في بداية سوق هرج وسط مدينة الحلة، وقد ورد ذكر هذه المدرسة مقروناً باسم الشيخ أحمد بن فهد الحلي(757ه) ، فقد كان يعطي دروسه فيها، قال بحر العلوم : «جمال الدين أحمد بن شمس الدين بن محمد بن فهد الأسدي الحلي كان ساكناً في الحلة السيفية، وكان أحد المدرسين فيها ابن فهد الحلي في المدرسة الزينبية وذكر هذا المعنى محقق المهذَّب البارع باسم المدرسة الشرعية، فقال: ابن فهد الحلي أحمد بن شمس الدين محمد بن فهد، جمال الدين الحلي الأسدي الشيعي، كان يدرس في مدرسة الشرعية في الحلة السيفية. وقد تخرج منها جماعة من العلماء، منهم: الشيخ ناصر بن أحمد المتوج البحراني، كان حياً(859ه)، والسيد محمد بن فلاح الواسطي المشعشعي (ت870 ه)، والشيخ علي بن هلال الجزائري الحلي كان حياً (900ه)، وعبد السميع بن فياض الأسدي(حياً بعد عام 918هـ)، وغيرهم. وقد نسخ عطية بن غنام بن علي بن يوسف الأسدي مخطوطته المعروف بـ(مجالس الصدوق) في المدرسة الزينبية، فيقول الشيخ: فرغ من كتابته بتوفيق الله سبحانه وتعالى وبمعونته العبد الفقير المحتاج إلى رحمة ربه الكريم عطية بن غنام علي بن يوسف الأسدي، ذلك ليلة الاثنين سلخ شهر ذي القعدة الحرام لسنة ثلاث عشرة وتسعمائة في المدرسة الزينبية بالحلة السيفية والحمد لله وحده وصلى الله على محمد وآله وسلم. وكتب الشيخ خضر بن محمد الحبلرودي كتابه(التحقيق المبين في شرح نهج المسترشدين)، فقال: مقدم تسويد هذا الشرح بعون الله وتسديده ومزيد توفيقه وتأييده قبيل الصبح من ليلة الأحد الثالث من ذي القعدة بالمدرسة الزينبية الواقعة جوار المقام للخلف الصالح القائم المنتظر. وذكر الأفندي أنه قد رأى في قرية (الفارة) في منطقة الإحساء بعض مؤلفات أبي جمهور الأحسائي، وقد كتب عليها: كتبت في العراق في الحلة السيفية في المدرسة الزينبية المجاورة لمقام صاحب الزمان. فكانت تقام فيها حلقات الدرس، والمناقشات الفكرية، وتبادل الآراء بين مفكريها، بما يخدم الدين والمصلحة العامة، في الأيام الاعتيادية والمناسبات الدينية التي يلتقي العلماء خلالها، سواء أكانت مناسبات عُسر أو يُسر، يتبادلون فيها التهاني أو التعازي، بحسب المناسبة التي تجمعهم، ومصداق ذلك ما ذكره الشيخ خضر الحبلرودي(ت851ه) الذي دخل الحلة بمناسبة زيارة أربعينية الإمام الحسين، وقبل ذهابه إلى كربلاء، عرَّج إلى المدرسة الزينبية التي كان يدرس بها صديق له، هو الشيخ محمد بن محمد بن نُفيع الحلي، جمعتهم هذه المناسبة، لتكون سبباً في تأليف الشيخ خضر الحبلوردي لكتاب مهم ألا وهو (التوضيح الأنور) الذي ذكر به مناسبة التأليف، بقوله: «إني لمَّا عزمت على زيارة الأربعين في سنة ثمانمائة من الهجرة مع تسع وثلاثين) 839ه)، ورحلت إلى المدرسة الزينبية والصلحاء، أراني أعزُّ الإخوان عليَّ، وأتمَّهم في المودَّة والإخلاص… محمد بن نُفَيْع عضد الملَّة والدين. وهذا دليل واضح على أنّ المدرسة الزينبية مفتَّحة لقاصديها من العلماء. وبمرور الزمن اندثرت تسمية المدرسة الزينبية، ولكن المدرسة بقيت شاخصة يرتادها طلبة العلم. يذكر الشيخ يوسف كركوش: لمَّا عيَّن رؤوف باشا متصرِّفاً على الحلة مراد العزّي، وفي عهد هذا المتصرف أُنشأت المدرسة الرشدية في الحلة، والتي هي رأس سوق الهرج، وذلك سنة1289ه، وكانت تسمَّى بالمدرسة الزينبية، والمظنون أنها من مدارس الحلة إبان نهضتها في القرون الوسطى فبقيت حتى عشرينيات القرن العشرين، ثم أهملت وتحولت الى خربة، بعدها تحولت الى علوة لبيع الخضراوات واستمرت على ذلك حتى نهاية الخمسينيات، وبعد ذلك لم يبق أي أثر يذكر عن تلك المدرسة .
المدرسة الزينبية في مدينة الحلة
صور من الموضوع ...