نحن أمام شخصية علمية وأدبية على جانب كبير من الأهمية، شاعر مغيّب، بقدر الحضور القليل لشخصيته في كتب الأدب والتراجم، بقدر أهميته منظوراً إليه من زاوية نتاجه الشعري المدهش.
الشيخ السماوي شارح ديوان مغامس
بعد أفول المدرسة الحلية التي كان من روّادها المحقق الحلي، والتي استمرت حتى وفاة فخر المحققين ابن العلامة الحلي سنة 771 هـ فأنها لم تتوقف عن الإبداع، بل استمرَّ عطاؤها الفقهي لتضيف إلى نشاطاتها العلمية إبداعاً أدبياً رائعاً، اشتمل على الحسّ الفقهيَ، وأضاف إلى مهمته العلمية مهمةً أدبيةً تتصدى للدفاع عن المذهب ومبادئه الحقّة، فبرزَ فقهاء شعراء وظّفوا طاقاتهم الأدبية ومَلَكاتهم العلمية لإثبات المبادئ الحقة، والمحافظة على مسلّمات المذهب وضروراته.
إن أهم من مثّل هذه المدرسة الأدبية شاعرنا الفقيه الشيخ مغامس الحلي البحراني، كما عبّر عنه الشيخ عبد الوهاب بن الشيخ محمد علي الطريحي ـ أخو فخر الدين الطريحي صاحب المنتخب ـ فلقبّه بالبحراني، إشارة إلى نزوحه من البحرين إلى الحلة لينهلَ من مناهلها العلمية وليكون أحد علمائها المبرّزين، وقد عبّر عنه العلامة الأميني في غديره بأنه: خطيب أديب وابن خطيب أديب.
إنّ ما يميّز شاعرَنا هو التزامُه بنهج أدبي وعظي ، فلم يتعرض خلال قصائده إلى الغزل أو التشبيب، ووصفه العلامة الشيخ محمد علي اليعقوبي بالورع قائلا: لم يتعرّض في أوائل قصائده للغزل، أو التشبيب، أو سقت الطلول والأعطان والبكاء على الدمن ومنازل الأحباب، كعادة غيره، ممّا يدل على أن الرجل كان يتورع عن ذكر ذلك كله، وإنّما يستهلُّ قصائدَه بذكر الشيب ونعي الشباب، والوعظ والتحذير من الدنيا ومَكرِها، وتصرّف الليالي وغدرها ثم يتخلص إلى الرثاء.
توفي أواخر سنة 900 هـ وقيل سنة 850 هـ - 1446 م ، وترك قصائد في الوعظ والإرشاد ليتخلص إلى رثاء العترة الطاهرة والتي أبرزها مظلومية السيدة الزهراء (عليها السلام) التي جعلها عنواناً لمظلومية الآل الطيبين.
قال عنه علي الخاقاني في (شعراء الحلة ) : شاعر بارع وأديب كبير، جهلت ذكرَه كتبُ التراجم في القرون الوسطى إلى أواخر القرن العاشر الهجري, ولا نعلم سرّ هذا الإغفال, مع أنّه من الأدباء الذين يستحقون الثناء والإعجاب, غير أنّ طائفة من رجال التأليف ممن تقدّموا علينا ذكروه ذكراً مقتضباً دون أنْ يقفوا على تمام سيرته.
كان أحد الأدباء والنجباء، وله ديوان معروف مشتمل على أشعاره البديعة وعباراته المنيعة، يقول عنه جواد شبر في (أدب الطف) : شاعر طويل النفس, بديع النظام, حلو الإنسجام, أصله كما في الحصون المنيعة من إحدى العشائر العربية القاطنة ضواحي الحلة.
ويعتقد المحقق الكرباسي أنّ مسحة الحزن عمّت كلّ قصائده متأثرة بأجواء الظلم والاضطهاد اللذَين مورِسا بحقّ الموالين لأهل البيت (عليهم السلام) في المدّة التي عاشها مغامس الحلي.
كان من إحدى القبائل العربية في ضواحي الحلة الفيحاء، كما يصفه العلامة الأميني في غديره, وهبط للدراسة فيها ولم يبرحها حتى قضى بها نحبه, شاعراً وخطيباً, يُعرِبُ شعرُه عن أنّه كان له شوط في مضمار الخطابة, كما كان يركض في كل حلبة من حلبات القريض.
تغنّى شعر مغامس بحبِّ آل البيت (عليهم السلام), وقد جمع له الشيخ السماويّ ديواناً باسم المترجَم له يربو على ألف وثلاثمئة وخمسين بيتاً ,فهو من شعراء أهل البيت المكثرين, المتفانين في حبهم وولائهم , غير أنّ الدهر أفنى ذكره الخالد.
يقول عن نفسه:
فتارة انظمُ الأشعارَ ممتدِحاً وتارةً أنثرُ الأقوالَ في الخطبِ
وكان أبوه داغر شاعراً موالياً وهو الذي علّمه قرضَ الشعر، وحثّه على الولاء للعترة الطاهرة فيقول فيه: -
أعملتُ في مدحكم فكري وعلّمني نظمَ المديحِ وأوصاني بذاك أبـــــي
ويقول في رثاء الإمام الحسين (عليه السلام):
ليتني كنتُ فداءً للحسين وهو بالطف قطيعُ الودجين
ينظرُ الشمرَ بعين وبعين ينظرُ النسوةَ بين العسكرين
وله يمدح النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) وهي طويلة مشهورة وتعد من غرر قصائده:
عرّج على المصطفى يا سائقَ النُجُبِ عرّج على خيرِ مبعوث وخيرِ نبي
عرّج على السيّد المبعوثِ من مضرٍ عرّج على الصادق المنعوتِ في الكتبِ
عرّج على رحمة الباري ونعمتِه عرّج على الأبطحيّ الطاهر النسبِ
رآه آدمُ نوراً بين أربعةٍ لألاؤها فوق ساق العرش عن كثبِ
فقالَ يا ربِّ مَن هذا فقيلَ له قولَ المحبِّ وما في القولِ مِن رِيَبِ
هم أوليائي وهم ذرية لكما فقرّ عيناً ونفساً فيهم وطبِ
أما وحقِّهم لولا مكانُهم مني لما دارت الأفلاكُ بالقطبِ
كلاّ ولا كان من شمس ومن قمر ولا شهاب ولا أفق ولا حُجبِ
ولا سماء ولا أرض ولا شجر للناس يهمي عليه واكفُ السحبِ
ولا جنان ولا نار مؤجّجةٍ جعلتُ أعداءهم فيها من الحطب
وقـال لـلملأ الأعـلى : ألا أحـد يـنبي بـأسمائهم صـدقاً بلا كذب
فـلـم يـجـيبوا فـأنبا آدم بـهم لـها بـعلمٍ مـن الـجبار مكتسب
فـقال للملأ الأعلى : اسجدوا كملاً لآدم واطـيـعوا واتـقوا غـضبي
وصـيّـر الله ذاك الـنور مـلتمعاً فـي الـوجه منه بوعد منه مرتقب
وخـاف نـوح فـناجى ربـه فنجا بـهم عـلى دسر الألواح والخشب
وقـد دعا الله موسى إذ هوى صعقاً بـحقهم فـنجا مـن شـدة الكرب
الشيخ مغامس الحلي
صور من الموضوع ...