تجلَّت الحياة الفكريَّة في الحِلَّة وازدهرت في القرنين السابع والثامن الهجريين، ويعود الأثر الكبير في ذلك إلى إسهام الشخصيات والأُسر الحِلِّيَّة لنشر العلم والأدب، ومن تلك الجهود المائزة في القرن السابع الهجري، جهود الشيخ محمَّد بن نما الحِلّيّ.
أبو إبراهيم الشيخ نجيب الدين محمَّد بن جعفر بن أبي البقاء هبة الله بن نما بن علي بن حمدون الربعيّ الحِلِّيّ المتوفَّى 645هـ، المكنَّى أبو إبراهيم، يقع مرقده في الحِلَّة بالقرب من مرقد ولده الشيخ نجم الدين، على أصحِّ ما ذُكر من الروايات.
ذكره الحرُّ العامليّ في أمل الآمل، والأفنديُّ في رياض العلماء، والطباطبائيُّ في رياض المسائل، شيخ فقهاء الحِلَّة وزعيمهم في زمانه، كان ألمع علماء عصره، جليل القدر، شيخ الطائفة ورئيسها في زمانه، وهو الذي عمَّر بيوت الدرس إلى جانب المشهد المنسوب إلى صاحب الزمان (عليه السلام) سـنة (٦٣٦هـ)، وأسكنها جماعةً مـن الفقهاء فكان يُقيم مجلس درسه في هذا الموضع، كان عالمًا موسوعيًّا ممَّا جعله رئيسًا في عصره؛ إذ كان موضع إجلال واحتـرام واعتماد مـن قبل العلماء، احتلَّ موقع الصدارة في الفقه والحديث، فعُرِف بدقةِ النظر وقوة الدليل وشمولية المنهج، كما بـرع فـي اللغـة والأدب والتاريخ والسير، وبأسلوبٍ كان ينّمُ عن تمكنٍ ودرايةٍ بهذه الفنون جميعهـا، وقد امتدحه الكثير من العلماء، نذكر منهم حفيده جعفر بـن حبيب الدين محمَّد بن جعفر بن أبي البقاء هبة الله بن نما يمتدحه ويشيد بفقاهته ومرتبته العليا التي وصل إليها في كافة فروع العلم والمعرفة بهذه الأبيات الشعريَّة فقال فيه:
وجدّ أبي الحبر الفقيه أبي البقا فما زال في نقــل العـلوم مُقدما
يودُّ أناسٌ هدم ما شـيـَّد العلى وهـيهات للمعـروف أن يتـهـدما
منالي بعيد ويح نفسك فاتئد فـمِــن أيــن في الأجداد مثل التـقي نـما
وهو أحد مشايخ المحقِّق الحِلِّيّ, والشيخ سديد الدين والد العلَّامة, والسيِّدين أحمد ورضي الدين ابني طاووس, وقال المحقِّق الكركي (ره): واعلْم أنَّ مشايخه بفقه أهل البيت الشيخ الفقيه السعيد الأوحد محمَّد بن نما الحِلّيّ, وأجلَّ اشياخه الإمام المحقِّّق قدوة المتأخرين فخر الدين محمَّد بن إدريس العجليّ الحِلِّيّ .
يقع مرقده في (محلة الجباويِّين) برأس زقاق نافذ على الشارع العام المعروف عندهم قديمًا بـ (عكد الطويل), كان رسم قبره شباكًا خشبيًّا عتيقًا في وسط الشباك صندوق خشب عليه ستار, وعلى مرقده قبة بيضاء فخمة البناء عالية, يحيط به صحن مع سياج من حديد, وكانت عمارة المرقد جديدة, كتب على واجهة قبره بالكاشي ما نصّه (هذا مرقد شيخ الفقهاء نجيب الدين محمَّد بن جعفر بن أبي البقاء هبة الله بن نما بن علي بن حمدون الحِلِّيّ) قام بتعميره جماعةٌ من الحلِّيِّين, طرأت بعض التغييرات الجديدة عليه, فقد أصبح مرقده اليوم مدرسة علميَّة أدبيَّة للوعظ والإرشاد وتهذيب النفوس, وقد تشكَّلت فيه حلقاتٌ للتدريس في العلوم الدينيَّة والكلاميَّة, يحضرها بعض الشباب المؤمن من عشاق الفضيلة والكمال, وكان يُلقي عليهم سماحة الحجَّة التقي الشيخ محمَّد آل حيدر محاضرات علميَّة قيّمة، فضلًا عن اقامته لصلاة الجماعة في هذا الجامع وقد كان يأتمَّ به جماهير المؤمنين الصلحاء .
كان مرقده عامرًا عليه قبةً بيضاء قديمة، وكان المشهور عند العلماء والحِلِّيِّين بأنًّ هذا هو قبره بقولٍ جازٍم, مستدلين عليه بما توارثوه عن أسلافهم والأقدمين من علمائهم, وقيل: إنّه توفي في النجف الأشرف لا الحِلَّة، وهذا قول بعيد جدًّا وضعيف في الوقت نفسه، كما أنَّ رأي جلّ السلف الصالح في أنّ قبره في الحِلّةّ السيفيَّة معروف ومشهور, فلو كان قبره في النجف الأشرف كما زعم البعض، لورد ذكره في الكتب والمؤلَّفات التي ذكروا فيها مَن أُقبر في النجف الأشرف عند أمير المؤمنين عليه السلام من العلماء والمؤلِّفين والملوك والأمراء والوجهاء, في حين أنَّ الشيخ نجيب الدين محمَّد كان من أبرز علماء الشيعة الإماميَّة, وشيخ مشيخة العلماء المحقِّقين .
وقد قامَ النظام البائد بهدم مسجد الشيخ ومرقده إبَّان الانتفاضة الشعبانيَّة سنة 1991م، وقام بتشييده بعض الأخيار من الأهالي بدعم مباشر من المرجع الأعلى السيِّد السيستانيّ (دام ظلّه)، وقد تعرّض للتدمير مرةً ثانيةً سنة 2005م في تفجير مجلس فاتحة أُقيم فيه، في بداية شهر رمضان المبارك، وكانت نتيجة الانفجار أن تصدعَ بناؤه وآل إلى الانهيار، واستشهد - في تلك الفاجعة- ثلةٌ من أهالي الحِلَّة الكرام رحمهم الله، ثم أُعيد بناؤه بأجمل عمارة وأبهى صورة.