كربلاء (الاسم والنشأة)
شغلت كربلاء موقعاً متميزاً في منطقة الفرات الأوسط، فهي تقع في الإقليم الأوسط من العراق إذ تبلغ مساحتها عندما كانت لواء 520856كم2 ([1]).وعرفت مدينة كربلاء بقدسيتها حيث مرقد سيد الشهداء الحسين وأخيه العباس بن علي بن أبي طالب عليهم السلام ، وهي الأرض التي احتوت على قبور شهداء الطف، وقد وصفت بأنها قبلة الإباء كما كانت هذه المدينة تتمتع بمنزلة علمية كبيرة ، حتى أصبحت محط جذب لكثير من الزوار والعلماء والوافدين وطلبة العلم من مختلف بقاع العالم من قصد هذه المدينة من الدول العربية والإسلامية للاستزادة من مناهل العلوم والمعرفة المتوفرة في المراكز والمدارس الدينية التي تضم الكثير من العلماء والفقهاء والمفكرين والأدباء والسياسيين والنخب .
التقسيمات الإدارية في كربلاء
قُسمت كربلاء إلى أطراف (محلات) يرأس كل منها شيخ أو أكثر، وكان ذلك إبان احتلال القوات البريطانية العراق خلال الحرب العالمية الاولى وعلى النحو الاتي: -
محلة المخيم: يرأسها محمد علي وفخري أولاد محسن كمونة.
محلة باب بغداد: يرأسها عبدالكريم وعبدالرحمن وعبدالجليل أولاد عبدالرزاق عواد.
محلة باب الخان: يرأسها عبد علي ومجيد الحميريان وإبراهيم أبو والدة.
محلة العباسية: يرأسها طلفيح بن حسون الحسن شيخ النصاروة.
محلة باب السلالمة: يرأسها عمر وعثمان ولدا الحاج علوان شيخ الوزون.
محلة باب الطاق: يرأسها عمران جار الله شيخ بني سعد.
محلة باب النجف: يرأسها رجال الدين من علماء البلدة. ([2]).
كانت لمدينة كربلاء في العهد العثماني سبعة محلات والواحدة منها متنوعة في الانتماءات العرقية من عربية وفارسية وهندية وأذرية وتركية وغيرها وتختلف شدة تلك الانتماءات من محلة إلى أخرى لكنها تخضع لزعيم واحد هو المتكفل بشؤون محلته بل وصل الأمر أن تكون هذه المحلة بيتهم الأكبر وهي: -
محلة باب النجف: وتقع في جنوب مدينة كربلاء وتسمى باب طويريج لوجود شارع باتجاه طويريج أما اسمها بباب النجف في أغلب تسمياتها لأن اتجاه السفر منها إلى النجف
محلة باب الخان: وتقع في الجزء الشرقي من المدينة وسميت بهذا الاسم لوجود ثلاثة خانات واسعة للزائرين.
محلة باب الطاق أو ما تسمى بالعامية (بالطاك) وبه طاق الزعفراني وهو السبب في تسميتها بذلك وهي قريبة من محلة السلالمة.
وتقع هذه المحلة السلالمة: في الجزء الجنوب الغربي والشمال الغربي من المدينة وسميت بذلك لكثرة العشيرة الساكنة فيه وهو السلالمة.
محلة طرف العباسية: وتقع في الجزء الجنوب الغربي من مدينة كربلاء لأنها قريبة من ضريح أبي الفضل العباس (عليه السلام).
محلة باب بغداد: وتقع في شمال والشمال الشرقي من المدينة لأن اتجاه المسافرين منها إلى بغداد.
محلة طرف المخيم: وتقع في الطرف الجنوبي الغربي من المدينة وأشهر ساكنيها زعماء المحلة من آل كمونة وسميت بذلك بسبب وجود المخيم الحسيني الشريف. للمزيد من التفاصيل عن تلك المحلات والزعامات الموجودة فيها
مكتبات كربلاء
مكتبة المولى البرغاني التي تأسست في عام 1737 ضمت بين دفتيها من علوم الحديث والتفسير وصنوف الأدب والتي انتقلت بعد وفاته 1867 إلى ورثته من أبنائه ([3]) فضلا عن مكتبات زاهرة مثل مكتبة الشهرستاني التي تأسست عام 1801، ومكتبة عبد الحسين شيخ العراقيين التي تأسست عام 1868، ومكتبة السيد كاظم الرشتي التي تأسست عام 1829 ومكتبة البغدادي التي تأسست عام 1907 ومكتبة الحاج مجيد أبو زميزم التي تأسست عام 1931([4]).
ولكن من الجدير بالذكر أن خزانة العتبة الحسينية وهي (مكتبة الإمام الحسين) من أهم مكتبات مدينة كربلاء لاحتوائها على المصاحف النفيسة والمخطوطات النادرة، وفيها مصحف شريف بخط الإمام علي بن الحسين (عليهما السلام). وخزانة المكتبة العباسية تحتوي على مخطوطات عرفت بالقدم وغير المحققة ومختلفة المضامين والعناوين ([5]).بل اشتهرت خزانة العتبة العباسية المقدسة حتى عام 2016 بالمخطوطات الأصلية والمصورة وصل عددها في آخر فهرسة (لمخطوطات الأصل 5000)خمسة آلاف والمصور (120000) مائة وعشرون ألف مخطوط وهذه المخطوطات في مختلف التنوع والتخصص العلمي من الأمور الدينية كالتفسير والفقه والعقائد والرسائل العملية وغيرها فضلا عن مخطوطات في صنوف الأدب والعلوم الصرفة والطب وكانت بمختلف اللغات من العربية والفارسية والاردو واللاتيني والعبري ،وتم فهرستها وترتبها بشكل علمي ([6]).
(المكتبة العلمية) الخاصة ببيع الكتب والتي تأسست عام 1925 ولم تقتصر على المصادر الدينية بل جميع المصادر المختلفة بما فيها الثقافية التاريخية والعلمية، وكانت هذه المكتبة منارة ثقافية عالية في سماء مدينة كربلاء حتى إنها كانت وكالة خاصة ببيع مجلة العرفان البيروتية، أمـا (مكتبة الفـرات) فكانت للبيع والتثقف إذ تأسست عام 1930 وهي أشبه بمنتدى لرواد الثقافة والعلم من رجالات الحركة الفكرية في كربلاء، وكانت تبيع مختلف الصحف التي كانت مواضيعها تناقش في المكتبة نفسها ([7]). والتي ساعدت على نمو الوعي الفكري والسياسي لدى أبناء كربلاء.
الطباعـة
جلبت أول مطبعة حجرية إلى مدينة كربلاء عام (1856) ([8]).وتعد أول مطابع كربلاء 1856 بفضل الحاج (عباس التبريزي ) والتي كانت بدايتها تلبي حاجة المجتمع الكربلائي والشيعي بشكل عام من كتب أدعية الزيارات والأوراق التجارية الخاصة بمتطلبات وهذا يعني أن الطباعة دخلت هذه المدينة بعد (26) عاماً من دخولها إلى العراق و(مطبعة الحسيني )من المطابع الحجرية أيضاً التي تأسست عام 1910 بفضل مؤسسها(محمود المظفري ) وتسمى بمطبعة المظفري وأهم الكتب التي انتجتها كتاب (تباشير المحرومين) فضلا عن طباعة عشرات الدواوين والمؤلفات الدينية والعلمية ([9]).
الصحافة
1-صحيفة الاتفاق: وتعد من أقدم الصحف التي صدرت في هذه المدينة وباللغة العربية الفصحى والذي أنشأها الحاج مرزا علي الحائري. إذ يرجع تأسيسها إلى عام 1916، وصدر عددها الأول في آذار من العام نفسه ([10]) واهتمت بالشؤون الاجتماعية وكان لها دور في تنوير المجتمع وتثقيفه ([11]).
صحيفة الغروب: أسبوعية سياسية صاحبها ومدير شؤونها عباس علوان الصالح ومدير التحرير الأستاذ حسن محمد علي، صدر عددها الأول في 24تموز عام 1935 ومن الأبواب المهمة فيها (حوادث الأسبوع، قصة الأسبوع لغة العواطف، دراسات أدبية، عالم المرأة، الألعاب الرياضية، أخبار وأفكار). كانت تطبع في مطبعة الشباب بكربلاء ([12]).
صحيفة الأسبوع: أسبوعية، صدرت في مدينة كربلاء المقدسة، أصدرها الصحفي عباس علوان بتاريخ 5 أيلول1938م، تحتوي على كثير من النصوص الأدبية والموضوعات، وكان الأدب العراقي للشيخ علي كمونة من أبوابها الشهيرة، وكربلاء في التاريخ للباحث عبد الوهاب آل الوهاب ، ونشرت في صفحاتها فصولاً أدبية وعلمية وقصصا مجتمعية ([13]) .
صحيفة الندوة: صحيفة يومية تُعنى بالمقالات السياسية وبخاصة عن حركة رشيد عالي الكيلاني وأبرز من أدار شؤونها الشيخ محسن أبو الحب، مشكور الأسدي، المحامي حمزة بحر ([14]) وغيرهم وكان مديرها المسؤول المحامي السيد مهدي الوهاب آل طعمة. وبنفس الاتجاه ولثقافة النخب الكربلائية قاموا بإصدار صحف ومجلات في بغداد كمجلة المرشد التي تأسست في بغداد لصاحبها السيد محمد الحسيني ومديرها الإداري صالح الشهرستاني واستمرت لأربع سنوات ثم توقفت عن الصدور. وصحيفة الأحرار التي كان مبدؤها الحق والوحدة بحيث صدر عددها الأول ببغداد الخميس 8 حزيران 1933، وصاحبها الدكتور عبدالجواد الكيلدار آل طعمه إذ تعرضت للتعطيل على أثر نشر مقال لأحمد جمال الدين في العدد (30) عن سر مقتل الملك غازي والتشكيك به وهو دليل على مدى الوعي الفكري والثقافي لأهالي كربلاء ،وبسبب ذلك عطلت شهرا ثم ستة أشهر بعد أعداد قليلة وحكم على صاحبها بالسجن والغرامة والتوقف([15]).
المدارس العلمية
بسبب المكانة الدينية والتنوع الثقافي والحضاري في مدينة كربلاء فضلا عن جملة من المقومات الاجتماعية المؤهلة لنهضة علمية شاملة ظهر من رحم مدينة كربلاء جملة من المدارس الدينية وفق التسلسل التاريخي لظهورها وهي :-
مدرسة السردار حسن خان:
تأسست على يد العالم حسن القزويني عام 1766 وتقع إلى الشمال من الحائر الحسيني الشريف، وقد شيدت من قبل السردار حسن خان القزويني عام 1766 تخرج منها كبار العلماء والمفكرين([16])، منهم السيد جمال الدين الأفغاني كان قد درس في هذه المدرسة لمدة سنتين وكان يُقيم في نفس المدرسة وكذلك تخرج من تلك المدرسة العالم الكبير شريف العلماء المازندراني، وتتألف من (70) غرفة، مع مكتبة وغرفة كبيرة للمطالعة، تزين واجهاتها الزخارف الهندسية الرائعة، وفي أعلاها الآيات القرآنية البديعة الخط وتعد هذه المدرسة من أكبر وأهم المعاهد الدينية في مدينة كربلاء وقلَّ ما يضاهيها مدرسة مثلها في العتبات المقدسة آنذاك([17]).
مدرسة صدر الأعظم النوري:
أنشأها العلامة الشيخ عبدالحسين الحائري الشيرازي، أنشئت في 1814 وكانت تقع في غرب الصحن الحسيني وتُعد هذه المدرسة من أمهات المعاهد العلمية وكان قد تخرج منها كثير من الأدباء والمفكرين ، أشهرهم السيد عبدالوهاب الوهاب الذي كان شاعراً معروفاً وبارزاً، وكانت تولية المدرسة بيد الشيخ محمد تقي الشيرازي، وانتقلت بعد وفاته إلى نجله العلامة الشيخ عبدالحسين الشيرازي([18]).
المدرسة السليمية:
تأسست هذه المدرسة عام1834على يد الحاج محمد سليم خان الشيرازي، وتقع في زقاق جامع الميرزا علي تقي الطباطبائي ، والذي كان بنفسه يوزع رواتب شهرية للطلبة من قبل مؤسسها ، ومن أشهر أساتذتها الشيخ محمد علي البحراني([19]).
مدرسة المجاهد:
تأسست عام 1852 ودرس فيها المئات من طلبة العلم والمعرفة، ليس من العراق فحسب بل ومن مختلف الدول الأخرى وكانت تقع في سوق التجار الكبير، وعلى مقربة من مرقد السيد محمد المجاهد الطباطبائي، وقد تخرج منها كثير من العلماء ، ومنهم العلامة السيد محمد باقر الطباطبائي، والعلامة محمد علي الطباطبائي([20]).
مدرسة البادكوبي:
تأسست عام 1853 بسعي من المرحوم العلامة الشيخ محمد الكرباسي ، والعلامة السيد أحمد الفالي وقد أنشئت في هذه المدرسة الواسعة المساحة (30) غرفة واسعة، وكانت تحتوي على مكتبة زاخرة بالكتب والمحفوظات القيمة، ومن آثارها الفكرية إصدارها سلسلة (منابع الثقافة الإسلامية) وكانت تصدر كتاباً كل شهر لكل مؤلف وكان لها دور في الوعي الإسلامي والثقافي ([21]).
6-مدرسة الحاج عبدالكريم الشيرازي:
تأسست عام 1867 وكانت تقع في محلة العباسية الشرقية، وتتألف من طابق واحد ، ذات مساحة فسيحة إذ أنشئ فيها مصلى كبيرا كان يسكن فيها طلبة العلم بالإضافة إلى احتواء المدرسة على مرافق عامة ([22]).
المدرسة المهدية:
تأسست عام 1867 على يد الشيخ مهدي بن الشيخ علي بن الشيخ جعفر كاشف الغطاء، وأيضاً طلبتها ليس من العراق فحسب بل تضم طلابا من العراق وعددا قليلا من طلبة البلدان العربية والإسلامية لتَّلقي العلوم الدينية وتقع في الزقاق المجاور لديوان آل الرشتي. بحيث كانت تتألف من طابقين ، وكان طلبة العلم يسكنونها([23]).
المدرسة الهندية:
أُنشئت عام 1882 وتقع بالقرب من روضة الإمام الحسين عليه السلام ، وتتكون من دورين يضمن (22) غرفة فيها مكتبة تسمى المكتبة الجعفرية وكانت تصدر عنها كراسات دينية ونشرات أسبوعية ودورية، ومنها (أجوبة المسائل الدينية) فكان لها دور في نشر الوعي الفكري والإسلامي ([24]).
مدرسة البقعة:
تأسست عام 1882، وتقع بجانب مرقد السيد محمد المجاهد الطباطبائي، وتتألف من طابقين يضمان (20) غرفة، وكان موقعها في شارع الإمام علي (عليه السلام)، وقد تخرج منها خيرة العلماء والفقهاء، منهم العلامة الشيخ عبدالرحيم القمي، والسيد العلامة محسن الكشميري، والعالم الورع السيد مرتضى الطباطبائي، وكانت تصدر مجلة فكرية إسلامية رصينة باسم (صوت المبلغين) ([25]).
المدرسة الهندية الصغرى:
أنشئت هذه المدرسة سنة 1882 على نفقة امرأة هندية مسلمة كانت تعرف بـ (تاج محل) بحيث أوقفتها على العلامة السيد علي تقي الطباطبائي، وتتألف المدرسة من (7) غرف، وكانت تُسكن من قبل طلبة العلم من الأفغان والهنود([26]).
مدرسة شريف العلماء المازندراني:
تأسست عام 1867 على يد على طلاب العلوم الدينية في كربلاء والنجف وتقع في زقاق (كدا علي) والذي يعني (خدام علي ) ويقع إلى جانب المدرسة مرقد العالم الشيخ شريف العلماء، وتتكون من دورين يحتويان على (22) غرفة وتسكن من قبل طلبة العلوم الدينية في تلك المدينتين([27]).