كانت المناطق الحدودية العراقية السعودية في مناوشات قتالية متقطعة ، وقد تصاعد أوارها عندما تعرّض مجموعة من قبائل آل سعود للقتل على يد عشيرة الخزاعل العراقية ، وبالتالي لم يكن من السهل على آل سعود، نسيان قتلاهم. فهاجمت القوات السعودية بقيادة سعود في الثاني من شهر نيسان عام 1216هـ - 1802م مدينة كربلاء المقدسة، وهدمت القباب والأضرحة والمزارات الشيعية، وهدمت قبة قبر الامام الحسين (عليه السلام)، انتقاماً من الشيعة. وعادت القوات السعودية بسرعة إلى الدرعية، ولم تلحق بها أي قوات رسمية أو محلية.
ولشدة ما حدث بمدينة كربلاء المقدسة عرفت بحادثة( الطف الثانية ) لأنها من أهم الحوادث التي أثارت الاستنكار في نفس كل إنسان ، وتركت في العالم الإسلامي الألم المر ، وكانت موضع دراسة الكثير من المؤرخين.
جاء في كتاب (الدر المنثور) المخطوط ما نصه : في سنة 1216 هـ 2 نيسان 1802((...كان دخول آل سعود إلى كربلاء ليلة 18 ذي الحجة ليلة الغدير وأباد أهلها قتلاً وسبياً ، وكان عدد من قُتل من أهل كربلاء ( 4500 ) رجل وانتهب جميع ما فيها وكسر شباك قبر الحسين -عليه السلام- و قبور الشهداء . ولم يكن استيلاؤه على جميع ما فيها بل كان استيلاؤه على ما كان قرب قبر الإمام الحسين -عليه السلام- والنهب والقتل كان في تلك الأمكنة )).
وعلى الرغم من انتشار خبر اقتراب الوهابيين ومعرفة السلطة الرسمية في كربلاءفي عشية اليوم الثاني من نيسان عندما كان معظم سكان المدينة في النجف يقومون بالزيارة فسارع من بقي في المدينة لإغلاق الأبواب ، غير أن الوهابيين وقد قُدِّروا بستمائة هجان وأربعمائة فارس نزلوا فنصبوا خيامهم وقسموا قوتهم على ثلاثة أقسام ، ومن ظلِّ أحد الخانات هاجموا أقرب باب من أبواب البلد فتمكنوا من فتحه عسفاً ، ودخلوا البلدة فدُهش السكان وأصبحوا يفرّون على غير هدى بل كيفما شاء خوفهم . وهناك قسم منهم - آل سعود -شقوا طريقهم إلى الأضرحة المقدسة وأخذوا يخربونها فاقتُلعت القُضُب المعدنية والسياج ثم المرايا الجسيمة ونُهبت النفائس والحاجات الثمينة من هدايا الباشوات والأمراء والملوك ، وكذلك سُلبت زخارف الجدران وقُلع ذهب السقوف وأخذت الشمعدانات والسجاد الفاخر والمُعلَّقات الثمينة والأبواب المُرصَّعة ، وقُتل زيادة على هذه الأفاعيل قرابة خمسين شخصاً بالقرب من الضريح وخمسمائة خارج الضريح من الصحن . أما البلدة نفسها فقد عاث الغزاةُ المتوحشون فيها فساداً وتخريباً وقتلوا من دون رحمة جميع من صادفوه كما سرقوا كلَّ دار ، ولم يرحموا الشيخ ولا الطفل ولم يحترموا النساء ولا الرجال ، فلم يسلم الكل من وحشيتهم ولا من أسرهم ، ولقد قدَّر بعضهم عدد القتلى بألف نسمة ، وقدر آخرون خمسة أضعاف ذلك.
وذكر ابن بشر النجدي وهو مما يمكن عدَّه من المصادر الاصلية ومن أهالي نجد تفاصيل هذا الحادث المؤلم بالقضاء على معظم أهالي كربلاء المقدسة فقال((وقتلوا غالب أهلها في الأسواق والبيوت وهدموا القبة)) وقال عن السلب والنهب (( واخذوا النصيبة التي وضعوها على القبر وكانت مرصوفة بالزمرد والياقوت وأخذوا جميع ما وجدوا في البلد من أنواع الأموال والسلاح واللباس والفرش والذهب والفضة والمصاحف الثمينة وغير ذلك ممّا يعجز عنه الحصر)) .
إنّ أسلاب مدينة كربلاء المقدسة كثيرة من الذهب والجواهر الموجودة في الصحن الحسيني والتي أهداها الملوك والمؤمنون إلى ذلك المقام المقدس. وقتل أهلها قتلاً ذريعاً واستباحها الطغاة ونهبوا من المال والذهب والفضة ما لا يتصوره العقل بعد أن ضيَّقوا عليها ، وقاتلوا حاميتها وسكانها قتالاً شديداً.
العوامل المساعدة في هذه النكبة
عدم متانة أسوار مدينة كربلاء المقدسة فكانت بسيطة مركبة من أفلاك نخيل مرصوصة خلف حائط من طين .
غياب معظم الرجال والفتية في زيارة دينية الى مدينة النجف الاشرف .
غياب دور السلطة الرسمية العثمانية واهتمامها بالمدينة وتحصيناتها الدفاعية على الرغم من علم سلطة كربلاء بنوايا القبائل البدوية على الغزو وهناك شكوك في دور قائممقام المدينة (عمر آغا ) بالخيانة عندما وضع له بيت أمن في منطقة من أرياف كربلاء تدعى الخيرات .
وعدم قيام العشائر المحيطة بالدفاع عن المدينة وحمايتها لسوء التنظيم والعلاقة المجتمعية وعليه كان لبعض القبائل البدوية العراقية وغيرها دور في نكبة كربلاء في (الغزو المضاعف) عندما أجهزوا على المدينة بعد رحيل الوهابيين والتعرض لأهالي المدينة المقدسة بالسلب والنهب.
المآسي التي جرت على المدينة
لقد ارتكب الهمجيون فيها من الفضائع ما لا يوصف حتى قيل أنه قُتل في ليلة واحدة عشرون ألف نسمة وعلى الرغم من عدم التأكد من صحة الرقم لكنه يعكس حجم الفظاعة التي وقعت بالمدينة ، فضلاً عن سلب خزائن قبر الامام الحسين -عليه السلام- وكانت مشحونة بالأموال الوفيرة وكل شيء نفيس ، فأُخذ كلُّ ما وجد فيها ، وقيل أنهم فتحوا كنزاً كان فيه جمة جمعت من الزوار ، وكان من جملة ما أخذوه لؤلؤة كبيرة وعشرين سيفاً محلَّاة جميعها بالذهب ومرصّعة بالأحجار الكريمة وأوانٍ ذهبية وفضية وفيروز وألماس وغيرها من الذخائر النفيسة الجليلة القدر ، وقيل من جملة ما نُهب أثاث الروضة وفرشها منها(4000) شال كشميري و(2000) سيف من الفضة وكثير من البنادق.
وقد اشارت الكثير من المصادر والمراجع الى هذه الحادثة وفيها ذكر لبعض اسلاب وممتلكات المدينة بشكل عام وقبر الامام الحسين -عليه السلام- بشكل خاص:
((أعيان الشيعة ج 4 ص 307 وكتاب تحفة العالم ج 10 ص 289 وكتاب روضات الجنات ج 1 ص 265 وص 353 وشهداء الفضيلة ص 288 ودائرة المعارف الإسلامية المجلد الأول ص 192 و 193 وتاريخ كربلاء وحائر الحسين ص 223 ، و( زنبيل فرهاد ) لمعتمد الدولة ص 348وكتابات الرحالة الاجانب وعبد الحسين الكليدار )).
وصل القائد العثماني علي باشا الى كربلاء بعد انسحاب الوهابيين منها ، فقام ببناء سور لها ، وعاد اليها من نجا من أهلها . وبدأ العمران يعود اليها مجدداً رويداً رويداً ، الامر الذي دفع الى الاهتمام بحصانة سورها ووضعت فيها حامية أجنبية للدفاع عنها.
وقد أقيمت حول السور الأبراج والمعاقل ، ونصب له آلات الدفاع على الطراز القديم ، وصارت على من يهاجمها أمنع من عقاب الجو فأمنت على نفسها ، وعاد اليها بعض الرُّقي والتقدم مما ساعدها أنْ تصمد أمام الغزو الوهابي الثاني عام 1808والمدينة كانت مسورة خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر بسور له ستة أبواب.