كان سكان مدينة كربلاء المقدّسة على غير وفاق مع الحكومة العثمانية وخاصة بعد واقعة نجيب باشا التي عاش أهل المدينة مآسيها وما أصابهم منها من تقتيل للناس وتدمير المدينة وانتهاك حرمة المراقد المقدسة. وفي سنة 1876 م وقعت في مدينة كربلاء حادثة عصيان ضد السلطة العثمانية سمّيت باسم (حركة علي هدله) على اسم قائدها وهو صاحب مقهى كان يقع بجوار سور مدينة كربلاء ، ولقّب بـ ( هدله ) لشده بأسه وشجاعته وجرأته.
بدأت ملامح هذه الحركة تظهر عندما اخذت الحكومة العثمانية بجباية الضـرائب في كربلاء بالقرب من مقهى (علي هدله) ولاسيما الخضروات لاستيفاء الرسوم من الفلاحين ، وعندما قام أحد الجباة العثمانيين بتفتيش امرأة ، فلم يُـــطِــقْ علي هدله و زبائنُه الجالسون في المقهى صبراً على ما فعل مأمور الحكومة ، فقرروا إعلان العصيان على الحكومة. وقد تزامن ذلك مع دخول الدولة العثمانية في نزاع حربي مع روسيا القيصـرية ، فأعلن العثمانيون النفير العام في مدينة كربلاء ، وأمرت السلطات العثمانية في كربلاء بوجوب الإلتحاق في المعسكر العثماني .
من هنا جاء رفض الأهالي تنفيذ الأوامر الحكومية ، وأعلن الكثير منهم عدم الإستجابة لنداءات السلطة ، فأخذت جموع المكلّفین بالفرار من سلك الجندیة ، لذلك عمدت السلطة العثمانية إلى ملاحقتهم والقبض عليهم وذلك من خلال بعض الجواسيس و من ضمنهم مختار محلة باب الطاق. مما حدى ببعض الكربلائيين إلى قتله في مقهى المستوفي الواقعة في محلّة باب الطاق.
وعندما قُتل المختار تولّت الحكومة المحلیة القبض على المتهمين ، ففرّ جماعة منهم ، وخیّموا خارج السور في البستان المعروفة ببستان الإمام جعفر الصادق عليه السلام- وأخذوا یخططون ويحرّضون الأهالي على مناوأة الحكومة و وجوب إمتناع أبنائهم عن الإلتحاق بالتجنيد ، فكانت الأفكار والأعمال التي يقومون بها محل ترحيب الكربلائيين فقبلوها وساندوهم ضد الحكومة.
نتيجة لتلك الاحداث التفّ حول القهواتي علي هدله (150) شخصاً من مختلف العشائر الكربلائية ولاسيما عائلة السادة آل الدده ، و في 3 ربيع الاول سنة 1294 هـ / 1877 م قام علي هدله بالاشتراك مع جماعته بعمليات ناجحة ضد السلطة العثمانية متّبعاً ما يسمى اليوم بــ ( حرب العصابات ) حيث نجحت هذه المجموعة بفعالياتها وتمكنت من دحر مواقع حكومية في جبهات متعددة ، وكانت أول عملياتها في سوق ( باب السلالمة ) فتمكنت من قتل أفراد من فرقة الجندرمة العثمانية.
لم يكن بمقدور هذه الحركة والمجموعة القتالية أن تعمل دون مساعدة من الأهالي وبعض المتنفذين من أبناء المدينة . فقد ساندهم الكثير من سُراتها ، ومنهم الحاج ( محسن كمونة ) والحاج ( حسن شهيّب ) وغيرهما ، وأمدّوهم بالمؤن والذخائر .
ما أن وصلت اخبار الحركة إلى الإستانة ( إسطنبول ) وعَلِمَ بها السلطان العثماني عبد الحميد الثاني ، حتى أصدر أوامره بإرسال جيش كبير الى مدينة كربلاء لهدمها وقتل من فيها عن بكرة أبيهم. وأناط تنفیذ هذه المهمة بعاكف باشا والي بغداد و المشیر حسین فوزي باشا القائد العام للجيش.
في أواخر شهر رمضان من سنة 1294 هـ/ 1877 م ، وصل والي بغداد وقائد الجيش الى كربلاء على رأس قوة عسكرية مصطحبين معهما أحد نقباء بغداد وخيّموا بالقرب من المدينة .وعند استطلاعهم للأوضاع الداخلية للمدينة لم يشاهدوا أثراً للعصيان ، لأن الأحداث كانت قد بدأت قبل هذا التاريخ بأكثر من سبعة أشهر ، وبعد البحث والتقصي وجد الوالي أن الجماعة التي قامت بالعصيان تمت مطاردتها من قبل الجيش العثماني المرابط في المدينة وحولها قبل وصولهم بمدة ليست بالقصيرة ، فإنه ليس من العدل إستباحة المدينة وهدمها على سكانها وأخذ البريء بجريرة المذنب.
فأحجم عن تنفیذ الأوامر ، وفاتح القائد العام فأبى الأخير إلّا الإصرار على تنفیذ الأوامر ، فنجم عن ذلك خلاف بینهما فراجع الإستانة وخاطبها بالأمر وبعد أخذ ورد صدر الأمر بالعفو ، فرحل الجیش عنها بعد أن قبض على أغلب أفراد الحركة وقادهم إلى بغداد، وهناك القاهم في أعماق السجون.
وكان ممن اعتقل من رجالات كربلاء السيد جعفر آل ثابت والسيد محمد علي السيد عبد الوهاب آل طعمة والحاج محسن آل كمونة والسيد ابراهيم الاصفهاني وسجنوا في بغداد لمدة سنة كاملة في مكان يعرف بــ ( القشلة ) أو ( أوج قلعة ) ، ثم أطلق سراحهم بعد ذلك. وعندما تم الصلح بين أهالي المدينة والحكومة العثمانية قررت الحكومة غرامة على البلدة مقدارها ( الشامي ) فاستاء البعض من الكسبة والفلاحين ، مما أدى إلى قيام حركة أخرى في عام 1294 هـ/ 1877 م بقيادة السيد مهدي الأشيقر.
ولما مرّ ذكره يمكننا الوقوف على النتائج التالية:
1- قيام روسيا القصرية بشن الحروب على الدولة العثمانية للتوسع على حساب اراضيها مما أدى إلى إنهاكها و ضعفها حتى اطلق عليها فيما بعد بالرجل المريض الذي يراد اقتسام املاكه.
2- فرض الضرائب الكبيرة على الولايات العثمانية لسد الديون وتأمين نفقات الحروب مما أثقل كواهل أهالي الولايات العثمانية ومنها كربلاء.
3- فرض نظام التجنيد الاجباري ( عسكر نظام ) وزج الشباب العراقي والكربلائي في معسكرات وثكنات عسكرية للدفاع عن الدولة العثمانية.
4- أدت هذه الحركة إلى قيام حركات داخلية مناوئة للحكم العثماني شكّلت خطراً على الدولة العثمانية في تلك الظروف كان من شأنها احداث تغيير جذري في الدولة العثمانية لولا تدخل الأخيرة والقضاء على تلك الحركات بالقوة .
5- عززت هذه الحركة نخوة أهالي كربلاء ووقوفهم بوجه المحتلّين.
6- أسهمت هذه الحركة في تحريك مشاعر العشائر العراقية التي أدركت أنه لابد من التحرك لدفع الظلم والاستبداد الذي لحق بها بسبب الاجراءات التعسفية التي يمارسها العثمانيون.
7- عُدّت هذه الحركة امتداداً لسلسلة الحركات التي قام بها اهالي كربلاء في نضالهم ضد السلطات العثمانية و ومفجِّرةً لحركات أخرى ومنها حركة السيد مهدي الإشيقر التي اندلعت بعد القضاء على حركة علي هدلة مباشرة.
8- ساهمت هذه الحركة في الكشف على جواسيس الدولة العثمانية في كربلاء ولا سيما مختار محلة باب الطاق الذي أخبر السلطات العثمانية عن أماكن تواجد الفارّين من قبضة الحكومة العثمانية واستطاع الأهالي بعد ذلك قتله .
9- أصبحت هذه الحركة حديث الشارع الكربلائي وليس للناس حديث في المقاهي والدور والأسواق غير ما تقوم به هذه المجاميع من فعاليات مدعاة للفخر.