عند التأمل في واقعِ ظاهرةٍ ما ، نجدُ أنَّها تتميّز بعاملٍ ينشأ معها ، والحياة مادامت قائمةً إذن لها تاريخ ، وهو ماضيها الذي ترتكز عليه لتنقل خُطاها إلى المستقبل بثقة وثبات ، والإستمرار مع الماضي أمر واقع وحاصل في أغلب المجتمعات ، هذا الاستمرار الذي ينمّي في الفرد ما يُطلق عليه (الذات الحضارية) التي يرتطم بها الزمن فيكون بين طرفي نزاع هما إرتقاء تلك الذات ونهوضها ، أو خمولها وبالتالي ذوبانها وضياعها في غياهب الحضارات وصراعاتها الدائمة ، عليه كان لابد للمجتمع أنْ يأخذَ دوره الرئيس كعامل موازن بينهما..
فالمجتمع هو من يعيش ويتعايش ، وهو من يبني تاريخه ، وهو المسؤول عن حفظ ذاته الحضارية وإرتقائها . يقول أحدُ الباحثين في ذلك: إنَّ التواصلَ العضويَّ بين الماضي والحاضر هو الشكل الطبيعي لكينونة المجتمع وثقافته ، ولكن هناك تواصلاً يختلف عن غيره ، كما يختلف من مجتمعٍ لآخر ؛ فيكون التراث متأثّراً بجميع تلك العوامل لذا هو معرَّضٌ للإرتقاء أو الخمول ، لذا وقعت هذه المسؤولية على المجتمع الذي يتكون من مجموعة أفراد ، هؤلاء الأفراد الذين لابدَّ أنْ يكون لكلٍّ منهم دوره في إرتقاء الذات الحضارية لمجتمعه، ما يطلق عليه (المسؤولية الفردية) ، التي تجانب (المسؤولية المؤسساتية) في تحديد طبيعة تلك الذات.
ولنأخذَ مدينة كربلاء المقدسة أنموذجاً عمّا قدّمناه . إلى أيِّ مدى إرتقت ذاتها الحضارية وقد تميَّزت بصفات لا تمتلكها أيُّ مدينة في العالم ؟ وإذا ما قارنّا تلك الصفات بمستوى الإهتمام بتاريخها وتراثها ، نجده الإهتمام - قد قصَّر كثيراً في الإيفاء لتلك الصفات ، والمسؤول الأول عن ذلك التقصير هو جميع الحكومات المتعاقبة التي أساءت التقدير لأهمية تلك المدينة بل أن بعضها حاربتها بما تيسّر لديها من أساليب وأدوات هدم وإهمال ، وبالتالي محاربة أيّ مبادرة تأخذ على عاتقها حفظ تراثها العريق ، وما موجود من نسبةٍ لا بأس بها من تراث المدينة اليوم يعود إلى مؤسسات العتبات المقدسة التي تكفّلت بهذه المهمة ، شعوراً منها بتقصير الجانب الحكومي .
لذا لابدَّ أن تكون لمدينة كربلاء المقدّسة ذاتاً حضاريةً موازيةً لأهميتها العالمية ، فتلك المدينة المقدسة تستحق تقديم جهود مضاعفة من أجل تعويض التقصير الذي لحق بها والظروف الخانقة التي عصفت بها ، وهي مسؤولية الجميع دون استثناءٍ لجهة ، فهناك الكثير من المدن لا تضاهي مدينة كربلاء بكل المستويات ، ولا يمكن بحالٍ مقارنتها معها ، لكنها حضيت بإهتمام يفوق حجمها و وضع لها تراثٌ مزيَّفٌ ، حتى ظهرت بهيئة وحجم أكبر من الذي تستحقه ، والأمثلة على ذلك كثيرة ..
نتمنى أن يوفَّق العاملون على حفظ تراث كربلاء ليسبقوا الزمن ويعطوا لهذه المدينة ذاتها الحضارية التي تناسبها.
تراثنا.. وذاتنا الحضارية