(إيليا نيكولا ييفيج بيريزين) 1818 1896م مستشـرقٌ ورحّالةٌ روسي مختص بالدراسات التركية وحائز على ماجستير في الأدب الشرقي ، أُرسل إلى الشرق في عام 1840م ، فمرَّ ببلاد فارس من الشمال حتى الجنوب والخليج العربي ، ثم اتّجه إلى البـصرة سنة 1843م ، ثم إلى بلاد ما بين النهرين , وسوريا وفلسطين ومصـر والقسطنطينية ، واهتم بالجغرافية والتاريخ ، فوصف مشاهداته عن الفرات وشط العرب.
بعد أن مكث بالبصرة مدة شهر توجَّه على متن باخرة انكليزية إلى بغداد , وفي إثناء وجوده في بغداد زار خرائب طيسفون وبابل, ومدينة الحلة وكربلاء ، وقد صادفت زيارة بيرزين إلى كربلاء مباشرة بعد الأحداث الدامية في بداية سنة 1843م عندما انتفض العرب الشيعة والفرس ضد السلطة التركية ، وقد تم قمع الانتفاضة بجيش باشا بغداد . فالوصف الذي وصفه عن الأماكن الشيعية والحجيج الشيعة طريف ومهم جداً ، وفي ضوء المعلومات التي يوردها بيرزين يمكن الاستنتاج بأن خمسين ألفاً من الحجيج يزورون هذه الأماكن خلال هذه السنة ويجلبون إليها للدفن ما يقارب ثلاثة آلاف جثة من البلدان الأخرى.
وتكتسب زيارة (بيرزين) إلى كربلاء أهمية كبرى كونها تمت إثر (وقعة نجيب باشا) الدامية أوائل 1843م ، فقد كان أهالي كربلاء قد أعلنوا العصيان خلال حكم (داود باشا) و(علي باشا) احتجاجاً على ابتزاز الأتراك المستمر لهم بدفع المزيد من الضـرائب وغير ذلك مما عالجه المؤرخون بالتفصيل , وكان يقود أهالي المدينة السيد ابراهيم الزعفراني الذي قيل أنه حشد عشـرة آلاف مقاتل , واستطاع ثوار المدينة صد الهجمات التي قام بها (علي باشا) ثم جرَّد (محمد نجيب باشا) جيشاً كبيراً بقيادة (كرد محمد باشا) فحاصر كربلاء ثلاثة وعشرين يوماً ، فضربها بالمدفعية واستباحها مدَّة من الوقت ، وقتل من أبناء المدينة ما بين أربعة وخمسة آلاف.
أورد (بيرزين) في دراسة له عنوانها (كربلاء) نشرها في مجلة (دراسة الأرض والرحلات )(موسكو 1858م) وقائعَ عن هذه المدينة وأحداث وقعة (نجيب باشا) والآثار السلبية التي خلَّفتها على أبنائها وعلى العلاقات التركية الفارسية , ومما قاله:
توازي مدينة كربلاء بسعتها مدننا التي هي مراكز أقضية, أما عدد السكان هناك فهو أكثر بكثير مما عندنا, وذلك لأن الشوارع في البلدان الشرقية أضيق بكثير من أزقتنا, والدور تبنى غالباً متلاصقة الواحدة بالأخرى, وفي جميع مدينة كربلاء لا وجود للساحات والميادين. يحيط المدينة سورٌ من الطابوق (الطابوق المجفف بأشعة الشمس) وهو من صفين , الصف العالي يكون بمثابة مدارج ومشارف, وأما الصف الواطئ فيتكون من أقسام أمامية خالية ومكشوفة يفصل بعضها عن البعض بالحواجز, وتكون هذه الفروع أحياناً مأوى للفقراء الذين لا دور لهم, كما هي الحال في بغداد تماماً.
زيارة المستشرق الروسي (إيليا نيكولا ييفيج بيريزين) الى مدينة كربلاء المقدسة