قضت المعاهدة الموقَّعة في ارضروم في سنة( 1847م ) بين تركيا وايران بأنَّ تحديد الحدود الدولية سيتم بإشراف لجنة خاصة للاشتراك مع ممثلي الدول الأربعة: روسيا, انكلترا, إيران, تركيا, وكان العقيد جيركوف هو المندوب المفوّض والوسيط الروسي، وقد حددت بغداد مكاناً لالتقاء الموقِّعين على معاهدة أرضروم (1847م). وتنفيذاً لهذا الأمر وصل وبعثته إلى مدينة الموصل في 24 نيسان 1849م وعن طريق دجلة انحدروا نحو بغداد على متن (كَلَك) كبير جداً, كان قد صُنع بصورة خاصة من (500) قربة.
كانت مهمة (جيركوف) وصف الطرق والقيام برسمها, ووضع التخطيطات اللازمة لها وهكذا أمضـى في بغداد سبعة أشهر زار خلالها آثار بابل وطيسفون ومدن كربلاء والنجف والكوفة ومنطقة المجرى الأسفل لنهر الفرات.
استغرقت مهمة لجنة (جيركوف) أربع سنوات, درست الحدود على امتداد(10) درجات عرضاً, وهي تبلغ مع المنعطفات أكثر من(1500) فرسخ, وقد دخل قسم من بلاد ما بين النهرين في المناطق التي دُرست.
وبعد مرور أكثر من عشرين سنة على انتهاء عمل اللجنة, نشرت مذكرات (جيركوف) ونالت بغداد وضواحيها والسفر إلى بابل النجف, وغيرها حيّزاً منها.
وقد زار الرحّالة الروسي النجف وكربلاء سنة (1849م) وقال عنهما:
تشتهر هاتان المدينتان كربلاء والنجف عند الشيعة باسم (عتبات الأئمة). تتوجه إليها ومن جميع البقاع التي يسكنها الشيعة وبدون انقطاع قوافل الحجيج (الزوّار) التي لا تُعدُّ ولا تُحصـى, وهم يحملون معهم هدايا كثيرة إلى المسجدين من النقود والأشياء, وغالباً ما تكون الهدايا ثمينة جداً, كما يجلبون معهم جثث موتاهم أيضاً لدفنها في هذه المدينة المقدسة.. وهنا يعيش كذلك خلقٌ كثير من التُّجار الأغنياء, والوجهاء, والأمراء الذين هم في أواخر أيامهم, وينتظرون الموت..
وفي سنة 1849م بلغ عدد الزوّار ثلاثين ألف شخص عن طريق بغداد إلى كربلاء, ويبلغ في الأحوال الاعتيادية عددهم في السنة الواحدة حوالي عشـرين ألف شخص. وينقلون في الغالب جثث موتاهم إلى كربلاء في فصل الشتاء، ويبلغ عدد التوابيت التي تستقبلها كربلاء خمسة آلاف, وتصل أحياناً إلى عشرة آلاف في السنة الواحدة.
ويبلغ ثمن النقل قراناً واحداً (30 كوبيكا) عن خمسة توابيت (وهي ضريبة المرور)، ويقوم رئيس مركز الشـرطة التركية بالحجر الصحي لفحص التوابيت أحياناً, غير أنَّ الفُرسَ لا يرضون بهذا الإجراء, رغم أنَّ هذه الإجراءات موجهة ضد المهرِّبين. أما أجرة الدفن في أسوار كربلاء والنجف فتبلغ حوالي الألف قِران, وهي تختلف بمدى بُعد أو قُرب مكان الدفن عن المسجد, أما في خارج المدينة فتصل أجرة الدفن إلى مائة قران, والحكومة التركية هي التي تضع هذه التسعيرة, وأما الملالي فلهم حصصهم الخاصة من النقود, حيث يقبضون على كل جثة خمسة وعشرين قراناً, وهناك من يدفن في الصحراء على بُعد ساعة عن المدينة وإذا ما حدث أن نُهب الحجاج في الطريق, ولم يكن باستطاعتهم دفع ثمن دفن الموتى الذين جلبوهم, فيتم دفن هذه الجثث على مسافة ثلاث أو أربع ساعات بعيداً عن المدينة.
بقلم : الشيخ محمد البيضاني - وحدة الأرشيف