لقد كان للإسلام والمسلمين دوراً كبيراً في نشوء العديد من المدن الإسلامية في بلاد العرب وغيرها من البلدان المفتوحة، ثم تم ربطها بالتنظيم الإداري للدولة الإسلامية لأسباب شتى، وقد تعددت أسباب نشوء تلك المدن تبعاً للظروف التي مرت بها، فمنها أسباب سياسية ، وأخرى عسكرية ، وهناك أسباب دينية أدت إلى بناء بعض المدن كمدينة كربلاء المقدسة، إذ لا شك أنَّ استشهاد الإمام الحسين بن علي -عليهما السلام -كان سبباً رئيساً في تجمع المسلمين وبالذات من الشيعة الموالين لأهل البيت - عليهم السلام - حول هذه البقعة المقدسة، ثم أخذ الناس بالتزايد في سكن هذه البقعة، إلى أن تحولت عبر مراحل التاريخ إلى مدينة عامرة بالسكان، وتحتوي على مرافق حيوية تُعدُّ من ضروريات تأسيس المدن الإسلامية.
لقد أجهد الباحثون أنفسهم في تحديد قِدَم مدينة كربلاء وذلك بسبب عدم وجود مصادر تاريخية كافية وموثوق بها يمكن الركون إليها لتحديد قِدَم تلك المدينة, وإنَّ ما موجود من آراء حول تاريخ كربلاء هو مأخوذ من التحليل اللفظي لاسم كربلاء.
فقد أرجعت كربلاء حيناً إلى الحضارة البابلية, وأُرجعت أيضاً إلى أن كربلاء منحوتة من( كرب وإل) أي حرم الله أو مقدس الله, أما ياقوت الحموي فذكر في معجمه فأما اشتقاقه فالكربلة رخاوة في القدمين ويقال كربلت الحنطة إذا هذَّبتَها ونقيتها. وينشد في صفة الحنطة:
يَحمِلنَ حَمراءَ رسوباً للثقلْ قد غُربِلَتْ وكُربِلَتْ من القَصَلْ
فيجوز أن تكون هذه الأرض مُنقّاة من الحصى والدغل فسميت بذلك.
حيث كانت تدعى كربلاء قبل الإسلام, وقد ذكرت كربلاء على لسان الرسول الأكرم - صلى الله عليه وآله وسلم -, ففي رواية المقريزي عن أم سلمة أنها قالت: كان النبي صلى الله عليه واله وسلم جالساً في بيتي ذات يوم فقال: لا يدخلنَّ عليَّ أحد , فانتظرتُ فدخل الحسينُ فسمعت نشيجَ الرسول - صلى الله عليه واله وسلم - يبكي فاطلعت فإذا الحسين في حِجره وإلى جنبه يمسح رأسه وهو يبكي فقلت: واللهِ ما علمتُ به حتى دخل، فقال الرسول - صلى الله عليه واله وسلم -: إنَّ جبريل كان معنا في البيت، فقال: أتحبه؟ فقلت: أما من حيث الدنيا فنعم: فقال: إنَّ أمتك ستقتل هذا بأرض يقال لها كربلاء، فتناول جبريلُ من ترابها فأراه النبي - صلى الله عليه واله وسلم -, فلما أحيط بالحسين -عليه السلام- حين قتل قال: ما إسم هذه الأرض؟ قالوا: أرض كربلاء، قال: صدق رسول الله - صلى الله عليه واله وسلم- أرضُ كربٍ وبلاء . ويروى أيضاً أنَّ الإمام علي بن أبي طالب -عليه السلام- أنّه مرَّ بكربلاء عند أشجار الحنظل وهو ذاهبٌ إلى صفّين، فسأل عن اسمها فقيل له: كربلاء ، فقال: كربٌ وبلاء ، فنزل وصلى عند شجرة هناك ثم قال: يُقتل ههنا شهداء هم خير الشهداء غير الصحابة، يدخلون الجنَّة بغير حساب . ومع ذلك فلعل تلك البقعة التي يتحدثون عنها لا تتعدى أن تكون أشبه بقرى أو قرية بسيطة.
ولا يخفى على أحدٍ أن تلك الأرض امتازت بقدسيتها وبتاريخها الحافل بالأحداث, حيث تذكر لنا المصادر أنَّ على ارض كربلاء دارت رحى معارك عنيفة تجلَّت بها أسمى صور التضحية والفداء والنبل، وأروع صور الشهادة والإيثار والثبات على المبادئ المقدسة والقيم الإنسانية, وقد شرَّفها الله تعالى بأنها ضمَّت جسد أبي الشهداء أبي عبد الله الحسين -عليه السلام - وابنه علي الأكبر وأخيه أبي الفضل العباس - عليهما السلام -وبقية الشهداء الأطهار رضوان الله عليهم أجمعين. ومنذ ذلك الحين أصبحت تلك البقعة المقدسة مركزاً لاستقطاب الزوّار الوافدين لزيارة قبورهم الطاهرة.
و تؤكد لنا المرويّات الواردة عن الإمام الصادق عليه السلام- أن رواية ابن قولويه صحيحة, وأنَّ القبر كان معلوماً طيلة حقبة بني أمية, وكان الناس يترددون على زيارة الإمام الحسين عليه السلام- بين الحين والآخر, مع الأخذ بنظر الاعتبار يجب أن تقترن مع هذه المراسيم مراسيم الزيارة بعض الوظائف التي تجعل من ذلك المكان نواةً لتجمّع سكاني قد يتوسع فيما بعد فيكون مدينة, إلّا أنَّ هارون العباسي ربما أجهض محاولة نشوء تلك المدينة وذلك بقيامه بهدم قبر الإمام الحسين عليه السلام- وقطع السدرة التي كانت نابتة عنـــــده، لأن المدن التي كانت تنمو من خلال تأثير الأضرحة كانت مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بذلك الضريح, فكلما تعرض الضريح للهدم أو التخريب والتضييق على الناس كلما هجر الناسُ تلك المدن؛ لأنّ جُل نشاط تلك المدن كان يعتمد على الزائرين لذلك الضريح المقدّس.
ويبدو أن هذا التخريب لم يدُم طويلاً, فقد عُمِّر الضريح المقدس والتفَّ الناس حوله من جديد وقيل لمّا أجري الماء على قبر الإمام الحسين عليه السلام- نضب بعد أربعين يوماً وامتحى أثر القبر, فجاء أعرابيٌّ من بني أسد فجعل يأخذ قبضة قبضة ويشمه حتى وقع على قبر الإمام الحسين عليه السلام- فقال: بأبي وأمي ما كان أطيبك وأطيب تربتك ميتاً ثم بكى وانشأ يقول :
أرادوا ليُخفوا قبره عن مُحبِّه وطيب تُراب القبر دلَّ على القبرِ
ولكن ذلك الخراب لم يدُم طويلاً فسرعان ما قتل المنتصر أباه المتوكل وأمر الناس بزيارة قبر الإمام الحسين عليه السلام- من جديد.
فتجددت بذلك المنازل والدور وأخذ الناس بزيارة القبر الشريف بكل حرية, ويبدو أنَّ كربلاء أخذت تتوسع وتعمر من خلال ازدياد عدد الزائرين للقبر الشريف بعد أن أمنوا على أنفسهم, وتوالت العمارة بعد ذلك على الضريح المقدس, وكلّما عُمِّر الضريح ووسع ازداد عدد الزائرين والمعظمين لهُ مما يؤدي ذلك إلى ازدياد عدد الساكنين حوله وبالتالي توسع المدينة, فقد عمَّر الداعيان الحسن ومحمد أبناء زيد بن الحسن, فأمر محمد بعمارة الضريحين ضريح أمير المؤمنين وضريح أبي عبد الله الحسين عليهما السلام- وأمر بالبناء عليهما بين عامي 279 و 289 هجري.
ولعل أكبر عمارة للضريح والتي كانت ذات أثر في نشوء المدينة هي عمارة عضد الدولة البويهي, فقد أجهد نفسه في تعظيمهما وعمارتهما, وقيل أنه لمّا زار المشهد الحسيني سنة 371هـ بالغ في تشييد الأبنية حوله وأجزل العطاء لمن جاوره.
كان لزيارة عضد الدولة والخلفاء والأمراء والوزراء إلى تلك الأضرحة أثراً على ازدياد عدد السكان حول الضريح المقدّس ودافعاً لاستقطاب الناس للسكن حول الضريح, فضلاً عن قيام عضد الدولة بتعيين الأوقاف وصرف لهم رواتب وأجور وما يترتب على ذلك من سكن هؤلاء قرب الضريح، مما ساعد على إنشاء تلك المدينة وازدهارها بالعمران, وكان جل نشاط سكانها يعتمد على مواسم الزيارات لذلك الضريح الذي كان يتوسط المدينة.
لذلك فإن للضريح المقدّس أثراً كبيراً في استقرار مدينة كربلاء المقدسة وأمنها, حيث استطاعات أن تنمو وتتوسع وتزدهر بالعمران حتى أصبح محيطها(2400) خطوة كما ذكر الخليلي نقلاً عن المستوفي, وقد وصفت هذه المدينة من قبل الرحّالة والبلدانيين وصفاً دقيقاً, فقد وصفها الرحّالة إبن بطوطة بالقول ثم سافرنا منها إلى مدينة كربلاء مشهد الحسين بن علي -عليهما السلام- وهي مدينة صغيرة تحفُّها حدائقُ النخيل ويسقيها ماءُ الفرات والروضة المقدسة داخلها وعليها مدرسة عظيمة، وزاوية كريمة، فيها الطعام للوارد والصادر، وعلى باب الروضة الحُجّابُ والقَوَمة، لا يدخل أحدٌ إلّا عن إذنهم، فيقبِّل العتبةَ الشريفة وهي من الفضة وعلى الضريح المقدَّس قناديلُ الذهب والفضة، وعلى الأبواب أستار الحرير وأهل هذه المدينة طائفتان أولاد زحيك وأولاد فائز..
و ذُكرت كربلاء في كتب الأدب، فقال دعبل الخزاعي فيها:
قبورٌ بجنب النَّهرِ من أرضِ كربلا معرّسهم فيها بشطِّ فــــــــراتِ
واليوم تشهدُ مدينة كربلاء المقدّسة توسُّعاً كبيراً، وتطوراً ملحوظاً في جميع جوانب الحياة، وما ذلك إلّا بسبب تهافت المؤمنين من مختلف بقاع الأرض على هذه المدينة المباركة للتشرّف بزيارة ضريح الإمام الحسين وأخيه أبي الفضل العباس وأهل بيته وأصحابه الميامين-عليه وعليهم جميعاً سلام الله- الذين بذلوا مهجهم دونه يوم عاشوراء.
بقلم : أ.د. رحيم حلو محمد البهادلي - مركز تراث كربلاء
أثر الأضرحة المقدسة في نشوء مدينة كربلاء وعمرانها