تُعدُ واقعة الطف من الحقائق والأحداث المهمة التي غيّرت مجرى التاريخ، لما حملته من مضامين ودلالات ودروس في الإيمان الراسخ والصبر المهيب والبطولة التي تجلّت في الثبات على الموقف، بطولة قلَّ نظيرها حتى أبهرت مدلولاتها أعظم الفلاسفة والباحثين والأدباء والكتّاب في العالم، مثلما أصبحت مدرسة متفردة ينهل منها الباحثون عمق الموعظة ونقاء الفكر الإنساني الثر، وأضاء شروقها كل غروب مرَّ على الأمة الإسلامية.
وقد برز دور المسرح في تجسيد واقعة الطف تجسيداً يواكب تطورات العصر وذائقة الأجيال القادمة من أجل أن تبقى أحداث هذه الملحمة متلاصقة مع ذهنية المتلقِّي أو المشاهد. و كما هو معروف أنَّ مهمة المسرح تحويل النص المكتوب إلى صور ومشاهد يتصاعد فيها الفعل الدرامي لتؤشر على المعاناة الإنسانية عبر اللغة المستخدمة في النص المسرحي، وما يرافقها من مؤثرات وأجواء تسهم في التأثير على ذهنية المتلقِّي.
وقد أصبح لدينا ممثلون وكتاب مسرح ومخرجون يمتلكون وعياً واسعا في طرح الخطاب المسرحي الإصلاحي وفتح منافذ الضوء على كلِّ ما يتوافق مع البناء المسرحي وإبراز الصور الجمالية الإرشادية والإصلاحية الدلالية المتناغمة مع ثقافتنا، وبأدواتٍ تقترب كثيراً من الواقع.
ويُعد المسرح الحسيني أحد (العنوانات) التي استندت إلى النهضة الحسينية وبالذات واقعة الطف، فأصبح هذا المسرح منهجاً لنشر تداعيات وتأثيرات هذه النهضة العظيمة على الإنسانية جمعاء من خلال تقديم عروض مسرحية ملتزمة بالسرد التاريخي غير البعيد عن الحقيقة كما يراه السيد فضل الله إذ يقول إنَّ المسرح الحسيني هو أحد تجليات الرسالة، ويشترط فيه ضمان العناصر التي تحقق للحدث التاريخي الصدق والحيوية، فيدعو إلى توظيف القدرات الفنية الإبداعية في المسرح من حيث الكتابة والإخراج وإلى اختيار الممثل بعناية وإلى الرقابة على طبيعة الأداء .
ويقول الشاعر والكاتب المسرحي رضا الخفاجي( في المسرح الحسيني تحديداً نستطيع أنْ نجدَ ضالَّتنا، ونستطيع أنْ نقدِّم إلى جانب الملحمة الحسينية الخالدة ومعانيها ودلالاتها الإنسانية والفكرية بعيداً عن العواطف الساذجة والانفعالات والممارسات المتخلفة، المضرَّة بالرسالة الحسينية ) ..
ولقد كان لكربلاء ومازال دورٌ كبيرٌ في إغناء تاريخ المسرح العراقي منذ أن كانت العروض المسرحية تُقدَّم بعفوية في الهواء الطَّلق بمشاركة ممثلين تميزوا بالأداء الفطري لعدم دراستهم للفن المسرحي دراسة أكاديمية، لكنهم أجادوا تجسيد مضامينها لكون حبّ العمل وشدة العاطفة والإيمان العالي بالنهضة الحسينية وقائدها الإمام الحسين -عليه السلام- جعلهم أكثر صدقاً في تأدية العروض التي كان لبنائها الدرامي تأثير كبير على المتلقِّي .
ولو عدنا إلى بدايات ظهور المسرح الحسيني في كربلاء نجد أنه كان موجوداً منذ عام 1917م بحسب الباحث المسرحي عبد الرزاق عبد الكريم، إذ يشير إلى وجود قاعة عرض ومسرح متكامل كان يقع خلف المخيّم الحسيني. وفي ثلاثينيات القرن الماضي كانت هناك قاعة مسرح متكاملة في خانٍ هو الآن مقهى الزوراء المعروف في شارع العباس -عليه السلام-.
وقد توسعت (خاصة بعد العام 2003) بحوثٌ ودراساتٌ، كما تمت طباعة مسرحيات تناولت القضية الحسينية بأسلوب عصري واستخدمت فيها كل تقنيات المسرح وأسسه المعروفة، وأصبح هناك اهتمامٌ واضحٌ بقضية المسرح الحسيني خاصّة في كربلاء، حيث تبنّت الأمانتان العامتان للعتبتين المقدّستين الحسينية والعباسية جزءًا كبيراً من هذا المشروع الريادي. وقد أثارت نظرية المسرح الحسيني التي طرحها الشاعر رضا الخفاجي الكثير من الاهتمام، وكان هناك جدل كبير حول توصيف المسرح الحسيني، وتم تناول ذلك في المهرجان التأسيسي لمسابقة النَّص المسرحي الحسيني التي شارك فيها نخبة من المختصين في المسرح من كلِّ محافظات العراق.
وهنا لا أريد الدخول في هذا الجدل الذي هو من اختصاص الأكاديميين والمختصين في المسرح بصورة عامة لكني حاولت تتبع النصوص المسرحية -الصادرة في كربلاء تحديدا- والتي تناولت النهضة الحسينية لكوني لا أمتلك عدداً معلوماً لها، فالكثير منها طبعت وأخرى تمت مسرحتها على الخشبة، مثلما هناك المئات لازالت كنصوص قيد الطبع.
ومن هذه المسرحيات: مسرحية (ثانية يجيء الحسين) ومسرحية (الجائزة) للشاعر الرّاحل محمد علي الخفاجي، وأكثر من ثماني مسرحيات للشاعر رضا الخفاجي منها سفير النور مسلم بن عقيل عليه السلام ، صوت الحُر الرياحي، صوت الحسين-عليه السلام- ، قمر بني هاشم العباس بن علي، سِفْرُ الحوراء زينب سلام الله عليها، سِفْر التوبة، نهضة التوَّابين وثورتهم ضد الحكم الأموي، آيات اليقين في سِفْر أم البنين، الثائر الشهيد زيد بن علي بن الحسين -عليهم السلام- مسرحية شعرية عن سيرة الإمام زين العابدين -عليه السلام-، ومسرحية شعرية عن أنصار الحسين -عليهم السلام- .
أما الشاعر والكاتب علي الخباز فقد كتب مسرحية (الصراع) ومسرحية (الخدعة) ومسرحية (محاكمة حميد بن مسلم) ومسرحية (عتبات الندم).
ومسرحية (جواز سفر) للشاعر والكاتب عقيل أبو غريب، ومسرحية (الطريق) لمؤلفها جاسم أبو فياض، ومسرحية(يزيد) للشاعر علاوي كاظم كشيش، وغيرها الكثير من النصوص التي أجد أنه من الضروري أن يتم تحويلها إلى خشبة المسرح واطلاقها للجمهور ويقام لها مهرجان مسرحي على غرار مهرجان النص المسرحي الحسيني، أو يتم اختيار إحدى المناسبات الدينية لتقديم العروض من أجل تكوين تفاعل مشترك بين الكاتب والمتلقي للوصول إلى ماهية وأهداف النص المسرحي الحسيني ومدى وصوله إلى ذهنية المتلقي ، وعند ذلك يمكن أن نرى ونستشعر حجم التأثير ومساحة التغيير التي أحدثها النص المسرحي، وبالتالي نستطيع أن نجعل للمسرح دوراً كبيراً في نشر الوعي الكامل بأهداف القضية الحسينية بطريقة تفاعلية تتضمن كل مقومات المسرح المعروفة.
بقلم : الكاتب سلام محمد البناي
لمَحَاتٌ من تاريخ المسرح الحُسيني في كربلاء