يعد التراث الثقافي لأية مدينة وذاكرتها الشعبية والوطنية والإنسانية، جزءًا مهماً من هويتها، وتمييزًا لها عن باقي المدن، لذا فإن توثيقه وحمايته من الضياع والنسيان هو من المهام الأساسية التي يضطلع بها أبناء البلد، لاسيما إذا كانت المدينة من المدن المهمة ذات المميزات الخاصة مثل مدينة كربلاء المقدسة ذات الطابع الروحي والمعنوي المتمثِّل بوجود المراقد المقدسة، وعليه لامجال لإهمال هذه الهوية كي لا تفقد خصوصيتها التي تمثل عاملاً مهماً في الحفاظ على التنوع الثقافي فيها. ففهم التراث الثقافي للمجتمعات المحلية المختلفة يساعد في الحوار بين الثقافات ويشجِّع على الاحترام المتبادل لطريقة عيش الآخر، ذلك أنّ أشكال التعبير المنبثقة عن التراث الثقافي داخل كل مدينة قد تكون مختلفة عن الأخرى من حيث المضمون لا الإطار العام، فهي أشكال للتعبير توارثتها الأجيال وتطورت استجابة لبيئاتهم، وبالتالي تعطي إحساساً بالهوية والاستمرارية وتشكِّل حلقةَ وصلٍ بين الماضي والحاضر إتصالاً بالمستقبل.
وهذا ما يُطلق عليه بالمنظومة التراثية التي من أهم مميزاتها أنها ترسِّخ الشواهد الحقيقية على إثبات هوية كل شعب من الشعوب، وتدافع عن تاريخه الضارب في عمق الزمن، وهو دفاع عن الحضارة والفكر والمستقبل أيضاً، كما تثري المعرفة التراثية لدى الشعوب وتزيد تمسك تلك الشعوب بتراثها، إضافة إلى بناء علاقة ثقافية رصينة بين الإنسان وتراثه، أي أن يكون تراث الإنسان جزءًا من حياته اليومية كي يتمكن من الحفاظ عليه بشتى الوسائل لتحقيق الارتقاء والتطور بما يضمن مجتمعًا يمتاز بالامتداد الزماني والمكاني.
السؤال الذي يُطرح هنا: أين نحن من تلك المنظومة, وهل تمكنّا من الحفاظ على الموروث الثقافي والفكري الذي نمتلكه وفق منظومة متكاملة نرتقي فيها إلى مصاف الشعوب الأخرى؟
على ما يبدو أننا بحاجة كبيرة إلى الشعور بالمسؤولية تجاه تراثنا الثقافي والفكري والمادي، كي نتمكَّن من الحفاظ عليه وفق أطر النجاح المرسومة، الأمر الذي يتطلّب منّا جهودًا كبيرةً نبذلها على المستوى الفردي والمؤسساتي، لذلك قام مركز تراث كربلاء بتحمل المسؤولية الملقاة على عاتقه في الحفاظ على هوية مدينة كربلاء الثقافية من خلال تبنيه حفظ كل ما يشمل التراث الفكري والثقافي، وهو يتطلب مساعدة الجميع للارتقاء بالمنظومة التراثية الكربلائية لترسيخ الهوية الحقيقية لمدينة كربلاء التي تتميز بكل مواصفات المدينة العلمية الثقافية، وهذا لا يتحقق إلا بشعور ذاتي داخل كل شخص يعتز بهويته ويشعر بانتمائه الوطني والديني والثقافي لهذه المدينة المقدسة، وبالتالي يتحقق استثمار مفهوم التراث كنظامٍ تواصليٍّ وفق منهج معين على مستويات متعددة تخلق نتائج طيبة في جنبة حفظ التراث.
بقلم : الاعلامي أحمد فاضل المسعودي
نحو المنظومة التراثية