لعلَّ تلك الربوة كانت ومازالت شاهداً على الفاجعة الأليمة التي مرَّت على آل بيت النبوة -عليهم أفضل الصلاة و السلام-؛ ولعلَّها كانت شاهداً على سنابك خيول الظلم والعدوان حين وطأت صدر الحقيقة لتعفي أثرها . ولكن هيهات؛ فالحقيقة تأبى إلّا تجدداً وسموّاً إلى يوم القيامة.
تلك الربوة أو ذلك التل الذي اكتسب شرف اسمه من اسم العقيلة زينب -عليها السلام- حين وقفتْ عليه لتشاهد مصـرع أخيها المظلوم ، عندما هوى من على ظهر جواده لتستقبله رمضاء كربلاء ، شاء الله تعالى أنْ يبقى شاهداً على اختلاف العصور، وتقادم الدهور، ليحكي قداسة ذلك المصـرع، الذي أصبح مهوى أفئدة المؤمنين.
بناءٌ مهيبٌ؛ مآذنٌ وقبةٌ من الذهب الإبريز تدور حولها الأقمار والشموس؛ فلم يعد هذا الموضعُ قبراً ، بل قِبلة للمؤمنين ومقصداً للعارفين، ومحجّاً للثائرين، تزدحم عنده الأكف بالدعاء، وتنحني عنده بالذلِّ الرقاب.
لهذا الضـريح الملكوتي الذي أصبح مقصد الملايين بمختلف جنسياتهم أبوابٌ من جهاته الأربع ، سُميَّ كلٌ منها باسم يميزه عن غيره، ولعل أحدها قد أخذ اسمه من موقعه المقابل للمقام الخالد والتل الشاهد لوقوف عقيلة بني هاشم عليها السلام- يوم عاشوراء ، ألا وهو باب الزينبية ، فبحسب المصادر التاريخية أنَّ باب الزينبية يعود تاريخه إلى القرن الثاني عشـر الهجري. ويذكر الأستاذ سعيد رشيد زميزم وجود مدرسة للعلوم الدينية إلى جانبي باب الزينبية آنذاك تسمى المدرسة الزينبية؛ فكان الباب مخصصاً لدخول وخروج طلّاب العلم إلى المدرسة، إلى جانب دخول وخروج الزائرين.
فباب الزينبية هو الباب الأخير من أبواب الصحن الحسيني الشـريف العشـرة، حيث أنَّ باب القبلة هو أولها ثم يبدأ العد عكس دوران عقرب الساعة ، يقع في الجهة الغربية للصحن الشـريف وهو باب خشبيٌّ ذو مصـراعين ، يبلغ عرضه مترين أو أقل بقليل، لذا يعدُّ من الأبواب الصغيرة قبل التوسعة الأخيرة التي شهدتها العتبة المقدسة.
يقع هذا الباب ضمن إيوان في جدار السور الخارجي للصحن الشـريف، وهذا الايوان بشكل نصف قبَّة من الأعلى، ومقرنص في بعض اضلاعه ومغلف بالكاشي الكربلائي، وتعلو الاطار الخشبي للباب كتيبة من الكاشي الكربلائي الأزرق كتب عليها بخط الثلث قوله تعالى : ((فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالآصالِ * رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصارُ)) سورة النور، الآيتان 36 و 37.
كما كُتب بالخط الكوفي على هذا الإيوان عبارة باب الزينبية، وكتب تحت هذه العبارة تاريخ إكساء واجهة الباب بالكاشي الكربلائي، عام 1426هـ ، ثم تعلو قمة قوس الايوان كتيبة أخرى من الكاشي الكربلائي الأزرق، كتب عليها وبـخط الثلث قوله تعالى : ((وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً)) سورة الإسراء، الآية (80). ثم يلي هذه الآيات المباركة نشـرة ضوئية أعلى جدار الصحن الشـريف وضعت في الماضي القريب كتب عليها عبارة (السلام عليك يا أخا الحوراء ).
أما الباب الخشبي، فعلى الرغم من صغره إلّا انه كـباقي أبواب الصحن الأخرى مصنوع من خشب الصاج البورمي المعروف بجودته ومتانته، تزيّن واجهته النقوش و الزخارف النباتية البديعة المنفّذة بطريقة النحت اليدوي، وقد كتب أعلى المصـراع الأيمن مكان صنع الباب وهي دولة البحرين وتاريخ صنعه 1291هـ ومن ثم تليها النقوش والزخارف وقد كتب وسط هذه النقوش و الزخارف النباتية الجميلة الآية الكريمة: ((يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالآصالِ)) سورة النور: الآية (36) وإلى جانبها وضعت مطرقة باب نحاسية.
وعلى أعلى المصراع الأيسر للباب وضعت عبارة باب الزينبية، تليها نقوش وزخارف خُطّت في وسطها الآية الكريمة : ((فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ)) سورة النور: الآية (36) وفي جانبها مطرقة باب نحاسية كالموجودة على المصراع الأيمن.
أما الرواق الداخلي لباب الزينبية فهو يمثل عمق سور الصحن الخارجي، و يبلغ طوله (9) أمتار تقريباً، يبلغ عرض هذا الرواق عند الباب الخشبي (2) متر و(3) أمتار تقريباً عند منتصفه ويعود إلى (2) متر عند نهايته، أي عند بلوغ الصحن المشرَّف، وهذا الرواق مغلَّف بالكاشي الكربلائي المنقوش بالزخارف البديعة و الألوان الزاهية .
أما سقف الرواق فهو عبارة عن أيوان مقوّس ومغلَّف بالكاشي الكربلائي المنقوش بالزخارف الجميلة، وفي وسط سقف الرواق نصف قبَّة تحيطها المقرنصات من جوانبها وهي مغلَّفة بالكاشي الكربلائي المنقوش. كما تضيف طريقة إنارة الرواق لجماله بهاءً أكثر.
اليوم وبعد توسعة الحائر الحسيني الشـريف تمت توسعة الباب من مترين إلى ثلاثة أمتار ونصف المتر وتم إكسائه بالكاشي الكربلائي المزخرف مع المحافظة على طراز النقوش والزخارف المتبعة في بناء الحرم المقدس، كما أصبح الباب يضمُّ سرداباً مجهَّزاً ومكيَّفاً لاستقبال الزائرين إضافة إلى سلالم ومصاعد كهربائية وطوابق عديدة تضمُّ أجنحةً وغرفاً خصصت بعضها كأقسام إدارية، مع قاعات كبيرة مكيفة ومجهزة بكل وسائل الراحة للزائرين.
اما الباب الخشبي القديم فقد تم نقله إلى مخازن العتبة المقدسة ليتم عرضه في متحف العتبة الحسينية الجديد.
بقلم الباحث : محمَّد العطّار
المراحل التاريخية لبابُ الزَّينبيـــَّة في العَتبَة الحُسَينيَّة المقدَّسة