التمكّن في القيادة، والقدرة على إدارة شؤون الناس والتاثير فيهم، أمر ليس بالميسور في الخارطة الذهنية عند أغلب القادة، إلّا من تساوت لديه الرؤية والبصيرة بمعرفة ماتعني السلطة، وماتعني الناس في آن، والقيمومة على مصائر الناس في آنٍ آخر، من هنا كان المبعث في أولويات القيادة هي علاقة تكاملية بين المهارات والقيم في التصور الإسلامي، وهو ما تجسَّد في علامات الخطاب عند الإمام الحسين -عليه السلام- بشكل واضح، فالمرتكزات في المهارات الفكرية والإنسانية والفنية لا تنفصل عن منظومة القيم من العدالة والصدق والشجاعة والمحبة والوفاء وغيرها، فهما عنوانان للتكامل في نجاح مسؤولية القائد، فخروج الإمام -عليه السلام- من مكة إلى كربلاء ما هو إلّا مهارة في التخطيط تتوخى إبعاد الحدث المتوقع عن بيت الله حفاظاً على مركزية الكعبة ممّا قد يحدث من إثارة للدماء، فضلاً عن كشف الأتباع والمخلصين ممّن هم في العراق يكون أكثر جدوى وتحريكاً لتلك القضية مستقبلاً في وجدان الأمة .أما الإدارة للأهل وللأصحاب والأتباع فتجلّت تارة بالإخبار والاستبشار لما سيكون عليه المصير تارة، وبتوزيع الأدوار في معسكره وتقديم من يلقي الحجج على الأعداء تارة أخرى، وغير ذلك كثير.
أما القيم فلم تخلُ نصوصه عليه السلام- من تركيز وطيدتها في النفوس، فهو القائل: (قوموا رحمكم اللهُ إلى الموت الذي لابُدَّ منه، فإن هذه السهام رُسُل القوم إليكم ) معززاً بذلك روح الشجاعة في صحبه، وكأن الموت هو سبيل الحياة القادم، يقول العقّاد عن تلك القيمة: ( ليس في بني الإنسان من هو أشجع قلباً ممن أقدم على ما أقدم عليه الحُسين في يوم عاشوراء).
وفي مقام العِزَّة يؤسس الإمام -عليه السلام- لمبدأ الكرامة، وهو المنطلق الأول الذي يعمل عليه القائد كي يرسِّخ تلك الجذوة في نفوس أتباعه لتعلو النفوس وتسمو بالحياة الأبيّة، يقول: -عليه السلام-: (والله لو لم يكن في الدنيا ملجأ ولا مأوى لما بايعت يزيد بن معاوية) فالتقنين يتجاوز دائرة الشخص ليمثِّل فضاءً من النوع الذي يجب أن لا يطاع حين يكون بخصال يزيد وأوصافه.
أما الحكمة فتتجلى عند القائد حين يكون السير إلى الهدف المحدد واضحاً جليّاً يستشعره الأتباع ويؤمنون به، فتكون القناعة بالقائد مدخلاً لتحقيق المرجو من كلِّ أمر أو إيعاز، وهو ما بدا واضحاً في كِّل حركات الإمام -عليه السلام- وأقواله فأغلب خطاباته تتوخى غايةً رسمها لأتباعه في مسيرتهم؛ كي يكونوا على بصيرة فيما هم سائرون إليه، يقول: -عليه السلام-: ( أنا أدعوكم إلى كتاب الله وسُنَّة نبيه -صلى الله عليه وآله وسلم- فإنَّ السُنَّة قد أميتت وإنَّ البدعة قد أحييت، وإن تستمعوا قولي وتطيعوا أمري أهدِكم سبيل الرشاد ) فهذه الحكمة تتسللُ إلى الوَعي القرآني فيما أراده للإنسان بالالتزام بكتاب الله وسُنَّة نبيه لما فيهما من تقويم للحياة من جانب، وإحياءً لسُنة النبي بعدما أميتت بالتعطيل والتغيير والكفر بوصايا النبي (l) من جانب آخر، مع التأكيد على أهمية محور الاتباع في ثنائيتي الرئيس والمرؤوس، فالقائد يرسم الجادة إلى سبيل الرشاد وهو ماتوخاه الإمام-عليه السلام- تأكيدًا في خطابه.