لقد شهدتْ أرض كربلاء أروَع ملاحِم الإباء وتجسَّدتْ على ثراها أنبل المواقف الإنسانيَّة, ونُلاحظ أنَّ ذكرَ كربلاء يرد في كل قصيدةٍ رثائيَّةٍ ويقترن اسمها في الرَّثاء بالكرب والبلاء, وقد كانت كربلاء في الشِّعر الرَّثائي القديم موضعاً للذمِّ والدّعاء, وذلك لأنَّها شهدتْ مصارِع أهل البيت -عليه السلام- ولم يستمرّ هذا طويلاً، ربَّما سبب أحاديثهم -عليهم السلام- في أنَّ أرض كربلاء أرض مباركة ومقدَّسة, وهي مهبط الملائكة, وموطن البركات الإلهيَّة لمن تشرَّف بها, وقد أعطيت كربلاء -حسب النصوص- مزايا عظيمة في الإسلام، فكانت أرض الله المختارة، وأرض الله الخاضعة المتواضع , وأرض الله المقدّسة المباركة, وحرماً آمناً ومباركاً, وغدتْ كربلاء أرضاً حبيبة؛ لأنَّها ضمَّتْ رفات الأحبَّة المقدَّسين، وخالطت تربتها أطهر الدِّماء وأزكاها, وهي مربع من مرابع البطولة الأسطورة, والينبوع الذي يرفد الشعراء بدفقات الولاء ويبثُّ فيهم روح الثَّورة, ولا تزال كربلاء في بعض الشِّعر موطناً للكرب والبلاء ولكنَّه كرب حلَّ وانتهى وبلاء نزل وتحمَّله أهلها، وغدتْ الآن موطن الأحبَّة, ومجال الذِّكريات الحزينة, ولم تزل كربلاء متجددة منذ يوم عاشوراء إلى الآن في نفوس الشعراء, يواكبها الشعراء عبر اتجاهات مختلفة، ومواضيع ومحاور متعدِّدة، وستبقى كذلك في المستقبل ما دام المنبر الحسيني ووسائل الأداء الحديثة مسارب لهذا الشعر، تنقله إلى الناس، وتجعله في قلوبهم وعقولهم رمزاً حيَّاً للنضال في سبيل الحق والاستشهاد في سبيل الصالح العام وكان للشعر الّلبناني من ذلك ثروةً لا تقدَّر.
ومن الذين كتبوا لكربلاء ومن تشرّفت بهم الشاعر محمّد باقر أحمد جابر, شاعر لبناني جنوبي، ولد في بلدة بني حيَّان الجنوبيَّة سنة 1986م، ونشأ في بلدة معركة.
يُدرِّس مادَّة الرياضيات للمرحلة الثانوية، عضوٌ فاعلٌ في الحركة الثقافيَّة في لبنان، شارك في عدد من الندوات الشعريَّة وغيرها في لبنان وخارجه، حاز على شهادة الماجستير في الرياضيّات البحتة من الجامعة اللبنانيَّة (كلِّية العلوم)، وحاز على جائزة شاعر الحسين البحرين- سنة 2014م، وحاز على جائزة سعيد فياض للإبداع الشعري سنة 2014م، وكان ضمن الفائزين العشـرة في مسابقة الجود- العالمية للشعر العربي التي تقيمها العتبة العباسية المقدّسة - في العراق سنة 2014م، شارك في مهرجان الشعر العربي الثالث في العتبة الكاظميَّة في العراق سنة 2014 م والرابع 2015 م. وشارك في مهرجان ربيع الشهادة العالمي العاشر في العراق.
مؤلفاته : ديوان الحان الصبا 2003م ، هكذا يغني البيلسان سنة 2015 م، حلّاج البحر (قيد الطبع).
أشعاره الكربلائيَّة : موسيقار الشهادة - نال بها لقَب شاعِر الحُسين في (البحرين).
قصيدة وطن الحيارى - ألقاها في مهرجان ربيع الشّهادة العالمي العاشِر في العراق.
قصيدة لوحة الإيثار- حازتْ جائزة شاعِر الجود العالميَّة للشّعر من العتبة العباسيَّة المقدّسة.
للشَّاعر قصيدة عنوانها موسيقار الشهادة نظمها بتاريخ 29/10/2014 يتحدَّثُ فيها عن شهيد الإسلام الكبير الإمام الحُسين ـ عليه السلام ـ مثالُ الشَّجاعة والإيثار والتضحية الذي ضحّى بنفسه وأهلهِ وأصحابه في أرض العراق من أجل الدّين والعدل ورفع الظّلم وليس لأهداف دنيوية أو مادِّيَّة, ويتحدَّثَ فيها عن الملحمةِ الحُسينيَّة وما تبعثهُ في نفوس الأحرار من شوق للشهادة والتضحية في سبيلِ الله والدِّفاع عن حقِّ المظلومين, يقول:
لِجُرحِ قلبِكَ موسيقاهُ إنْ نَطَقا يوصلُ المجدَ إمَّا ضَيَّعَ الأفُقَا
نَضْحُ الدِّماءِ وضوءُ العِشْقِ، ما اكتملتْ صلاتُكَ البِكْرُ إلا مُذْ نَزَفْتَ تُقى
فَتَحْتَ عَيْنَيْكَ حينَ استحكَمَتْ لُغَةٌ خَرْساءُ ، حينَ الحيارى ضيَّعوا الطُّرُقا
ورُحْتَ تُمْطِرُ فينا الضَّوْءَ كانَ عرانا اليأسُ لم نَدَّخِرْ مِنْ عَزْمِنا رَمَقا
علَّمْتنا نَسَقاً للحُبِّ، فارتَعَشَتْ كوامِنُ الشِّعْرِ لمَّا أدرَكَ النَّسَقا
أتيتَ تَقْدَحُ في أنفاسِنا أملاً كنَّا عَهِدْناهُ محبوساً ، وها عُتِقا
وحينَ أرَّقنا ليلٌ وشَتَّتنا مَسَحْتَ عنّا شتيت الليلِ والأرقا
صِرنا نُمَوْسِقُ أحلاماً ،ونَزرَعُها عِندَ الحُسينِ إذن تَرْدادُها عَبَقا
كُلٌّ يعوذُ بِرَبِّ الحُبِّ مِنْ أرَقٍ ما أسْكَرَ العَيْنَ إما طَرْفُها عَشِقا
يا مُبْدِعَ الغُنَّةِ الأولى انسيابُكَ في أضالِع الكونِ أغرى الدَّمعَ فانْدَلَقا
أغرى الوجودَ بأنْ ينحازَ، لا لِشَجٍ لثائِرٍ عبْقَرِيِّ الفِكْرِ، ما انزلقا
فِكْرٌ حُسَيْنٌ، فُراتِيُّ الوضوحِ لهُ رهافةُ السَّيْفِ، لا يستعذِبُ القلقا
وِكِبْرياءٌ تُرابِيٌّ أما انبَثَقَ الــ عَزْمُ المُكَرْبَلُ مِنْ طه؟ أما انبثقا؟
وسُنْبُلاتٌ منَ الإيثارِ يَرْفِدُها ماءُ الفِداءِ الذي مِنْ أمِّهِ اندفقا
ونَظْرَةٌ مِنْ عَلِيٍّ .. بينَ رَحْمتِهِ وسَيْفِهِ أنْ يسيرَ الناسُ سَيْرَ شقا
ما افْتَنَّ بالماءِ حينَ الماءُ راوَدَهُ في الطَّفِّ، فانْداحَ ماءُ النَّهْرِ مُخْتَنِقا
وراح يركضُ للعبَّاسِ، فارْتَعَدَتْ فرائصُ الماءِ، ما للماءِ قد صُعِقا؟
أيَشْرَبُ الماءَ عبَّاسٌ، وزَيْنَبُهُ فؤادُها بجِمارِ الوَجْدِ قَدْ غَرِقا!!
الصَّبْرُ بُرْدَةُ قِدِّيسينَ، ما التَفَتوا لغيرِ خالِقِمْ، ما طأطأوا عُنُقا
والجودُ فِطْرَةُ مَنْ ذاقوا حلاوةَ أنْ يُقَدِّموا النَّفْسَ قُرْباناً لِمَنْ خلقا
والطَّفُّ كَوْنٌ مِنَ الإبداعِ .. حينَ ترى أباً، وابناً غريبَ البَسْمَةِ، اعتنقا
أبي .. شِفاهِيَ يكويها لظى ظمإٍ بُنَيَّ هاكَ فمي ذبلانَ مُحْتَرِقا
إذنْ بُنَيَّ إلى حَرْبٍ مُقَدَّسَةٍ نروي بمهجتنا مَنْ كابدَ الحُرَقا
الطَّفُ قَلْبٌ بليغُ الجُرْحِ إنْ خَفَقا والرأسُ أصْدَقُ إنْ فوقَ القَنا نَطَقا
فَكَيْفَ تَفْنى تراتيلٌ مُخَضَّبَةٌ بماءِ وَحْيٍ، ونَحْرٍ يَنْتشي عَبِقا
لا يَنْضَبُ الفِكرُ عاشوراءُ قُرْبَةُ مَنْ رامَ الكرامةَ يلْقى ماءها غَدِقا
حسينُ نَبَّهَنا أنَّ المماتَ يَدٌ للحقِّ تَفْضَحُ مَنْ بالحُكْمِ قَدْ شَرقا
حمى الزَّمانَ بهيهاتٍ ، فما سُرِقَتْ روحُ الإباءِ وتاجُ المَجْدِ ما سُرقا
وللشاعر قصيدة عنوانها لوحة الإيثار يهديها إلى حامل راية الإمام الحُسين ـ عليه السَّلام ـ وسَاقي عطاشَى الدَّهر: العبَّاس بن علي ـ عليهما السَّلام ـ، يقول فيها:
بأيِّ دُعاءٍ سوف يبتَهِلُ الوَرْدُ؟ إذا جفَّ ماءُ الحُبِّ وانْقَطَعَ الوِرْدُ
وإنْ جَنَحَتْ للعِشْقِ رُوحٌ شهيدَةٌ على أيِّ غُصْنٍ شَهْقَةُ الرُّوحِ تَشْتَدُّ؟
أنا مُتْعَبٌ كاللَّيْلِ، هَلْ لي رَبابَةٌ أشاطِرُها وَجْدي إذا انْفَطَرَ الوَجْدُ؟
رَغِبْتُ عنِ النَّجوى إلى البوحِ، دُلَّني أَميرَ فؤادي:أينَ؟في حيرتي أشدو
أنا قادِمٌ: رُحْمَاكَ ، ضُمَّ صبابتي بعيدٌ أنا، كم زادَ في لهفتي البُعْدُ
عَمِيْتُ! ومالي غَيْرَ وَجْهِكَ، كُلَّما تَنَدَّى إِباءً، تَضْحَكُ الأعْيُنُ الرُّمْدُ
سألْتُ، وكانَ اللَّيْلُ سكرانَ مُرْبَكاً وشَمْسُ الرُّؤى في القَلْبِ ما انفَطَرَتْ بَعْدُ
لماذا أُريقَ الضَّوْءُ مِنْ مُقْلَةِ الهُدى وضُرِّجَ خَدُّ البَدْرِ فاستَعَرَ الخَدُّ؟!
هناكَ على شطِّ الفُراتِ تزاحَمَتْ جموعٌ مهيباتٌ فشتَّتَها فَرْدُ
أجل! إنَّهُ العبَّاسُ في الحَرْبِ مُطْلَقٌ وصَوْتٌ سماوِيٌّ، إذاً عرِفَ الضِّدُّ!
تجاسَرَتِ الدُّنيا لِتَكْسِرَ سَيْفَهُ فما رَجِعَتْ إلا وهامَتُها غِمْدُ!
وكانَ يرى الأيتامَ تَغْلي شِفاهُهُمْ كصَحْراءِ حَرٍّ كانَ طَلَّقَها البَرْدُ
مضى، واليتامى طامِحونَ بِجودِهِ وفي عَيْنِهِ دَمْعٌ وفي قَلْبِهِ وَقْدُ
يُؤَرْجِحَ في كَفَّيْهِ ماءً، ويمتطي جوادَ المنايا، قُل: هُوَ الشَّوْقُ والوِدُّ
وتَعْرُجُ كَفَّاهُ ابتِهالاً كأنَّها إلى الكَوْثَرِ العُلْوِيِّ تَمْتَدُّ .. تَمْتَدُّ!
وفيها رؤى الأطفالِ، فيها جَداوِلٌ مِنَ النَّغَمِ المسفوحِ مِنْ حُرَّةٍ تَحْدو
وبَسْمَلَةَ الأرْضِ التي اشْتاقَ رَمْلُها ليَعْبَقَ مِنْ عِزٍّ ويَنْكَسِرَ الحدُّ!
أبا الفَضْلِ: هذا القَلْبُ مُذْ كانَ لمْ يَقُلْ لغيْرِكَ أدْرِكني، فأنْتَ لِيَ الزِّنْدُ
نزيفُكَ في قلبِ الزَّمانِ قِيامَةٌ على الحِقْدِ، حَتَّى يَغْرَقَ الغِلُّ والحِقْدُ
وَفَضْلُكَ أَن عَلَّمْتَ كُلَّ كريمةٍ مهارةَ هَزِّ الغَيْمِ إنْ غَفِلَ الرَّعْدُ
ولَوَّنْتَ في الآفاقِ شَمْسَ كرامَةٍ كغَانِيَةٍ ، والخَدُّ أشْعَلَهُ الوَرْدُ
فأنْتَ أمانٌ للجمالِ، ورائعٌ بريشَتِكَ الحمراءِ قَدْ لُوِّنَ العِقْدُ
وأنْتَ شهيدٌ، حَدُّكَ الخُلْدُ لا الفنا وعَهْدُكَ بَذْلُ الرُّوحِ .. ما نُكِثَ العَهْدُ!