اختصَّت كربلاء بقرى قديمة عامرة بالمدِّ البشري ومن هذه القرى نِينوى (بكسـر النون) وهي من المناطق المبكرة في السكن، ونِينوى إحدى قرى بابل إبّان الحضارة البابلية القديمة ومعظم سكّانها من الديانة المسيحية، ومنها جاءت (النواويس) وهي مقبرة عامة للنصارى قبل الفتح العربي الإسلامي للعراق، وتقع في أراضي منطقة الحسينية قرب نِينوى التي تقدَّم ذكرها، وفيها أطلالٌ استخرجت منها بعض الحُباب الخزفية التي كان البابليون يدفنون موتاهم فيها.. والنسبة إليها النِينوي.
ونُسب إلى نِينوى من أهل العلم والفضل العَلَم البارز الشيخ حميد بن زياد النِينوي الحائري من كبار علماء كربلاء في القرن الرابع الهجري، وهو الزعيم الديني في كربلاء آنذاك وعماد الحوزة العلمية المبكِّرة فيها- ولم نعثر على مصدرٍ يوضِّح تاريخ ولادته- اهتمَّ بتدريس العلوم الفقهية لأهالي كربلاء حتى ذاع صيته بين العراقيين فقصده طلبة العلوم الدينية طلباً للعلم ومجاورة الإمام الحسين -عليه السلام-.
أخذت الحوزة العلمية المبكرة بصمة الشيخ حميد بن زياد النينوي بضـرورة العناية بفن القول وأسلوب الأداء وطريقة التعبير عناية فائقة، فأفضى في كلامه على الفصاحة والبلاغة، وأشاد من خلال آيات قرآنية كثيرة بفضل الفصاحة والبيان، عادّاً إيّاها من نعم المولى جلّ وعلا على الإنسان. وهذا الأمر انسحب على مدينة كربلاء بنمو الحركة العلمية في القرن الثالث الهجري وأصبحت مركزاً حضارياً مُشِعّاً، حتى أنَّ الخليفة العباسي المنتصر قام في عام 247هـ ببناء المرقد الحسيني الشريف ووضع السارية لإرشاد الزائرين تبعتها حركة الأخوينِ الملقبينِ بـ (الداعي الكبير والداعي الصغير) أبناء زيد العَلَوي في عام270هـ وحتى عام 282هـ ببناء قبة ظاهرة منسَّقة منتظمة وشيّدا حول القبر الشريف مسجداً لإيواء الزائرين، وأوقفا الموقوفات الكثيرة للعلويين الساكنين بجوار القبر المقدس، الأمر الذي ساهم بتطور الحركة العلمية التي أثمرت وأنتجت حراكاً علمياً واضحاً وثقلاً اجتماعياً بارزاً. حتى دفع بالعلويين وغيرهم من عامة المسلمين بالهجرة إلى كربلاء والاستيطان بها، وكان في مقدّمتهم رجال العلمِ من الأساتذة المشايخ.
ويمكن القول أنَّ كربلاء في القرن الثالث للهجرة وبسبب الحركة العلمية المتنامية أصبحت مدينةً عامرةً، فقد ازدهرت كربلاء في عهد السلطان عضد الدولة البويهي سنة 369هـ وعهد البويهيين، وتقدّمت معالمها الدينية والسياسية والاقتصادية فاتّسعت تجارتها واخضلّت زراعتها، علومها وآدابها، فدبَّ في جسمها النشاط وتخرَّج منها علماء فطاحل وشعراء مُجيدون وتفوّقت في مركزها الديني المرموق، وانتشرت حرية الأفكار وقصدها العلماء من كلِّ حدب وصوب وارتقت فيها التجارة والصناعة، وكان لها حظٌ وافرٌ من الشُهرةِ وذيوع الصيت، فالعلماء خدموا العلم خدماتٍ جليلةً أتت بفوائد جمَّة، وازداد العلم نشاطاً فأسّست المدرسة العضدية سنة 367هـ على يد السلطان عضد الدولة البويهي وذلك عندما قصد كربلاء وسعى ببناء دور للعلماء فيها.
ومن العلماء الذين سُمو لانتسابهم للغاضرية الشيخ حفص بن سليمان الأسدي الغاضري الكربلائي وهو من الثقات عند العلماء لتواتر أخباره بشكل دقيق، فكان محدِّثاً ثقةً صالحاً فقيهاً مُلمّاً بالعلوم الدينية الشرعية. ولد سنة 90هـ وتوفي سنة 180هـ. وقراءة حفص هي إحدى القراءات العشر المشهورة للقرآن الكريم، ويبدو لم يكن مثل النِينوي في تأسيس حوزة علمية مبكرة بل كان عالماً فقيهاً من كربلاء.
ومن العلماء الشيخ عباس الغاضري الذي كان حياً عام 270هـ ، وهو من قبيلة بني أسد الغاضرية الكربلائية ، وابنه الشيخ محمّد الغاضري الذي تعلّم على أبيه العلوم الدينية، وكان الشيخ عباس الغاضري من الذين يعتد برواياتهم، فهو ثقة لضبطه لأحاديثه بشكل دقيق ومتواتر، وهو عالمٌ فاضلٌ بصيرٌ بالمسائل الشرعية، لذا عدّه السيد أبو القاسم الخوئي ـ قدّس سره ـ فقيهاً مشهوراً بالرواية والحديث ويمكن الأخذ منه والاعتماد عليه.
لقد كانت كربلاء تسمى بمسمياتها القديمة دلالة على عمقها الحضاري. فقد أوصى أحد علماء الدين وهو تقي الدين إبراهيم بن علي بن الحسن بن محمّد بن صالح العاملي الكفعمي أن يُدفن قرب الإمام الحسين-عليه السلام- وكتب في ذلك قصيدة ذكر فيها مفردة (عقر) وهي من أسماء كربلاء القديمة:
سألتُكمُ بالله أنْ تدفنونني إذا متُّ في قبرٍ بأرضِ عُقيرِ
فإنّي به جار الشهيد بكربلا سليلُ رسولِ الله خير مُجيرِ
وإنّي به في حُفرتي غير خائفٍ بلا مِريةٍ من منكرٍ ونكيرِ
كما أضيف الانتساب المكاني لبعض علماء الدين الوافدين إلى أرض فالشيخ أبو عمرو العامري الكربلائي هو عثمان بن عيسى العامري الكوفي وهو من الفقهاء الذين يعتد بهم وكان راوياً ثبتاً بالتواتر يصل إلى المنابع الأصلية، فقد روى عن أبي الحسن -عليه السلام-وكان يروي عن أبي حمزة الثمالي. رأى في منامه أنّه يموت بالحائر الحسيني، فترك منزله في الكوفة وأقام في كربلاء حتى مات، ودفن فيها.
و من العلماء الذين اختاروا كربلاء لا لقهرٍ سياسي ولا تجارة، وإنّما قُرباً من مرقد الإمام الحسين-عليه السلام- وطلباً للعلم الشيخ محمّد بن علي الشيباني المعروف بالاشتاني الفارسي، كان حياً عام 240 للهجرة. كان من روّاد مدرسة كربلاء العلمية، ويعدّ من فضلاء علمائها، فهو من مشايخ الشيخ الصدوق وثقةٌ معتمدٌ عليه، له الفضل في تشخيص موضع قبر الإمام الحسين -عليه السلام- عندما قام المتوكّل العباسي بحرثه وإغراقه بعد أن استخرج الصندوق الذي على القبر وقام بإحراقه في محاولةٍ منه لإضاعة معالم القبر الشريف، فقام الفاضل الشيباني الاشتاني بوضع علامات إرشاد الموالين للقبر، وهو دليل على نمو حركة التشيع وازديادها ابّان تلك المدّة، فالعلامات كانت للزائرين والوافدين من المحبين لأهل البيت -عليهم السلام-.
وكان للقهر السياسي أثره في الهجرة من بعض البلدان الإسلامية نحو كربلاء منتصف القرن الثاني عشر الهجري، فظهر علماء دين كان لهم دور فاعل في الحركة العلمية في كربلاء، فقد هاجر السيّد محمّد القزويني إلى العراق بعد سقوط الدولة الصفوية سنة 1145هـ/1732م واستقر في مدينة كربلاء، فأبدع وأصبح أحد أساطين العلم الذين ازدهرت بهم كربلاء، وكان لبعض الظروف القاهرة الطارئة غير السياسية دور آخر في تنشيط مدرسة كربلاء العلمية فبسبب ظهور الحمّى في النجف هاجر السيّد محمّد هادي الحسيني الميلاني (1313هـ-1395هـ) مع أسرته إلى مدينة كربلاء عام 1356هـ. وبعد انتهاء الظرف الطارئ لم يغادر كربلاء وطابت نفسه في أرض الإمام الحسين -عليه السلام- فكان عاملاً مساعداً على ازدهار مدرسة كربلاء العلمية، حتى أصبحت حوزة كربلاء تضاهي حوزة النجف الأشرف في القوة والنشاط والازدهار، تفدُ إليها أفواجَ الطلّاب من كلّ مكان، وتلتفت إليها الأنظار من مختلف البلدان.
والدليل على أهميّة العامل البشري في تنمية مدينة كربلاء هو ازدياد مدرسة كربلاء العلمية قوة ومنعة في عهد العالم الشيخ شريف بن المولى حسن علي القبيسي المازندراني الحائري المعروف بشريف العلماء، فقد أخذت الحوزة العلمية في كربلاء زخماً قوياً وطاقة إضافية وروحاً عالية في البحث والتقصي والاجتهاد، وقد اجتذبت حلقات درسه وأبحاثه وتقريراته الفقهية والأصولية إلى مدينة كربلاء المئات بل الآلاف من الفضلاء والطلاب المبتدئين والمنتهين من طلبة العلوم الدينية، ووصف الشيخ شريف العلماء بالساهر على شؤون الحياة العلمية في حوزة كربلاء، فضرب بذلك المثل الأعلى في إخلاصه لأنّه كان مؤسّساً لقواعد علمية رصينة في البحث الأصولي الاستدلالي.
أثر العامل البشَري في نمو مدينة كربلاء