يمثّل التاريخ الشفوي المحكي أو المروي جزءاً من الذاكرة الوطنية إلى جانب الوثيقة المكتوبة، وهو يحظى بأهمية كبيرة كونه جزءاً مهماً من التاريخ لم يتم توثيقه كتابياً، وعليه كان من الواجب توثيقه ممن لايزالون يختزنونه في الذاكرة، ويأتي اهتمام مركز تراث كربلاء بهذا الجانب إيماناً منه بأهمية توثيق تأريخ المدينة من خلال تدوين وحفظ الرواية الشفوية لما لها من قيمة تاريخية وبحثية في كشف الحقائق وإبرازها وتوثيقها، لذا توجّهت مجلة الغاضرية التي تصدر عن المركز للقاء المعاصرين للأحداث، أو المشاركين في صنعها، أو كانوا شهود عيان لها، أو من خلال الحوارات مع من لديهم معلومات وذكريات في جميع المجالات التي تشكّل جزءاً من تاريخ المدينة. فكان السيد صاحب الشـريفي واحداً من الذين حاورتهم مجلّة الغاضرية ليستنطق ذاكرته في حديث تاريخيٍّ شيّق :
ذكريات عن مرقد أبي الفضل العباس-عليه السلام- وبعض خَدَمته الكرام
بسم الله الرحمن الرحيم .. والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيّدنا ونبينا المصطفى محمّد وعلى آله الطيبين الطاهرين.
لنبدأ جولتنا من سور الصحن الشريف لكي نتعرَّف على المعالم التأريخية فيه، حيث تضم جوانب الصحن الشـريف غرفًا وأواوينَ عديدةً، دفن فيها العلماء والسلاطين والوزراء وكبار الشخصيات الإسلامية، وكذلك نستذكر الفعاليات والمراسيم التي كانت تمارس أيام زمان في الصحن الشريف مما تجود به الذاكرة، ثمّ ننتقل إلى الكيشوانيات والموظفين العاملين فيها.
بدأنا بالدخول من باب قبلة أبي الفضل العباس-عليه السلام- وعند الدخول وعلى جهة اليمين يوجد سُلَّم بثلاث درجات يفضـي إلى باب خشبي هو مدخل مكتبة العتبة العباسية المقدّسة وقاعة كبيرة تضم العشرات من الرفوف تتوسطها طاولات كبيرة للمطالعة وتضم الآلاف من الكتب الدينية والتاريخية.
كانت المكتبة تحت إشراف السيد عباس الكاشاني وهو عالم جليل وصل إلى درجة الاجتهاد، كان يسكن منطقة باب بغداد عگد البرچه، رحل إلى إيران في سبعينيات القرن العشرين، وهو عديل الدكتور عبد الرزاق عبد الغني، توفّي السيّد عباس في مدينة قم المقدّسة عام ٢٠٠٨م وجرى له تشييع مهيب هناك. بعدها تحرّكنا عدة أقدام ثمّ توقفنا تحت بناء برج الساعة مباشرة، ومنها انتقلنا إلى مقبرة عبد الرسول چخميخ والد المرحوم الحاج عباس چخميخ والمدفون رفاته فيها، ثمّ تحرَّكنا قليلاً عند مدخل باب القبلة وعلى جهة اليسار منها كانت مقبرة آل فائز، وقد دفن فيها أيضاً رجال دين وعلماء من جنسيات مختلفة.
وكان بجوار إيوان آل فائز غرفة شرطة الصحن، وكان من منتسبي الشرطة الذين عملوا فيه آنذاك النائب عريف شرطة المرحوم عبدالله الكردي، والنائب عريف شرطة حرز، والنائب عريف شرطة دويچ، وكان بجوار غرفة الشرطة غرفة الطبابة التي كانت تستخدم أيام العشرة الأولى من المحرّم، وزيارة العشرين من صفر، وتليها غرفة كانت فارغة وأحياناً تستخدم مخزناً للأثاث القديم الخاص بسادن العتبة العباسية (الكليدار) وإلى جوارها كان ديوان السادن (الكليدار).
وكان آنذاك سادن الروضة العباسية المقدّسة السيّد آغا بدر الدين آل ضياء، وكان يعاونه في إدارة شؤون الروضة المقدّسة السيّد كاظم ضياء الدين والمكنّى بـ(سيد كاظم النائب)، وفي سنة ١٩٦٧م استلم من بعده إدارة العتبة العباسية السيّد حسن الصافي آل ضياء الدين وكالة. كان المرحوم السيد بدري حسن ضياء الدين يتمتع بشخصية قوية وذات هيبة ووقار وكبرياء، ويقال إنّه حضـر في أحد الأيام من سنة ١٩٦٧م إلى صحن العباس-عليه السلام- متصرف اللواء جابر حسن حدّاد وقد دخل إلى ديوان الكليدار أحد السدنة وأخبر السيّد آغا بدري قائلاً له بأنّ متصرف اللواء حضـر إلى باحة الصحن، فرد عليه آغا بدري قائلاً: إذا جاء زائراً لأبي الفضل العباس ـ عليه السلام- فليذهب إلى الزيارة، وإذا كان قادماً لزياتنا فليأتِ إلينا ونحن باستقباله في مقرّنا في الديوان. ويقال إنّ المتصـرِّف خرج على إثرها من الصحن غاضباً.
كما كان المرحوم آغا بدري يقيم مأدبة عشاء في كل ليلة جمعة في صحن أبي الفضل العباس -عليه السلام- وعلى مدار السنة، أمّا مكان طبخ العشاء فهو فوق سطح السور القريب من برج الساعة، وكان الطباخ آنذاك السقّا علي كربه.
وفي كل ليلة من ليالي العاشر من محرّم الحرام وبعد انتهاء مراسيم عزاء محلّة العباسية يبادر السيد آغا بدري بإخراج صندوق فضـي مرصَّع بالمينا وفي داخله نُصب تشبيهاً لرأس الإمام الحسين -عليه السلام- أمام ديوان الكليدارية ولعدة دقائق، وكان يحمله آنذاك السيّد عباس، وهذا الرجل كان وسيم الطلعة، وكان أيضاً يقوم بتمثيل دور أبي الفضل العباس -عليه السلام- لوسامته.
ويذكر أنّه في إحدى السنوات كانت هناك زائرة ايرانية حاضرة مراسيم عرض رأس الإمام الحسين -عليه السلام- وعند مشاهدتها الرأس ضربت برأسها عمود الخيمة الحديدي متأثرةً بالفاجعة الأليمة ففارقت الحياة على إثر تلك الضربة.
ثمّ ننتقل إلى جوار غرفة الكليدار حيث كانت غرفة السيد باقر محمّد صالح القزويني، والد السيّد الدكتور محسن باقر محمّد صالح القزويني مؤسّس جامعة أهل البيت-عليهم السلام- وكان بجوارها غرفة (القهوة چاغ) قهوچي الكليدارية، وإلى جوارها إيوان صغير فيه سلَّم يؤدي إلى سطح السور الأوّل وهو مجاور لباب الإمام الحسن -عليه السلام-، بعدها نجتاز باب الإمام الحسن -عليه السلام- وكان أوّل إيوان فيه مقبرة الهنود ويليه الإيوان الثاني وهو مخصص لخزن سجاد الصحن الذي يستخدم في أوقات إقامة مجالس العزاء الحسيني وفي المناسبات الدينية وصلاة العيدين. ثمّ انتقلنا إلى الإيوان الثالث فكان أيضاً فيه سلّم سور الصحن الأوّل. أمّا الإيوان الرابع فهو فارغ.
وصلنا إلى باب الإمام الحسين -عليه السلام- وكانت بجواره من الخارج (السقخانة) السبيل، وأمّا الأواوين داخل الصحن من باب الإمام الحسين ـ عليه السلام ـ حتى باب الجواد كانت فيها مولدة الصحن ومحولات الكهرباء وكان العامل المشـرف عليها الشيخ حيدر چراخي وولده حسن وكان يكنى بـ(سفتر) وقد سُفِّرا في سبعينيات القرن الماضي إلى خارج العراق، ثمّ كان إلى جوار الباب إيوان مستغل من قبل الشيخ محمّد علي سيبويه وهو إمام جماعة يؤمّ المصلين، وقد توفيّ في ستينيات القرن العشرين ودفن في نفس الإيوان، أمّا ولده الشيخ عباس محمّد علي فقد سُفِّر قسراً في ثمانينيات القرن العشرين إلى الخارج، وقد شغل مكانه لإقامة الصلاة الشيخ عماد الدين البحراني الذي أعدم ظلماً من قبل النظام السابق، وكذلك إيوان فارغ مقابل كيشوانية رقم واحد.
وكان إلى جواره إيوان خانم فطم وهو سكنٌ لها، وكانت تقرأ الطالع (فتاحة فال)، وإلى جوار إيوان خانم فطم غرفة عامل التنظيف أحمد الأخرس وقد سُفِّر في السبعينيات إلى الخارج. وإلى جوار إيوان عامل التنظيف كانت (السقخانة).
وبجوار باب الإمام الجواد-عليه السلام- كانت المغاسل ويليها إيوان تخزن فيه تجهيزات مجالس العزاء الحسيني من سجاد وأقداح ومنبر، أمّا الايوانان الثاني والثالث فكانت غرفهما مغلقة، ثمّ نصل إلى باب الإمام علي الهادي -عليه السلام- وبجوار الباب كانت غرفة مستغلة من قبل أحد الدراويش وبجوارها كان إيوانان فارغان، أمّا الإيوان الثالث فكان مستغلاً من قبل المرحوم الشيخ كريم الكربلائي (أبو محفوظ).
الذاكرة الشفوية لمدينة كربلاء المقدسة ومعالمها