في ليلة العاشر من محرّم الحرام سنة 61هـ خطب الإمام الحسين -عليه السلام- بأصحابه في أرض كربلاء وجعلهم في حلٍّ من بيعته، فما كان منهم إلّا أن يعبِّروا عن مكنوناتهم تجاه إمامهم وطريقهم الذي اختاروه، فبيَّنو إصرارهم وثباتهم على الشهادة دون الإمام الحسين وأهل بيته -عليهم السلام- كونهم صفوة البشـر وسادة المسلمين، حيث قال فيهم -عليه السلام- : (لا أرى أصحاباً أوفى وأبرَّ من أصحابي) فبعضهم كان من الصحابة وبعضهم من التابعين، أمّا منزلتهم الاجتماعية والعلمية فمنهم مَن كانوا زعماء قومهم وفرسانهم، وعلماء الأمّة وجهابذتها المتبحِّرين في الدين والفقه والعلوم الأخرى.
ويحدِّثنا التاريخُ أنَّ زهير بن القين البجلي أجاب الإمامَ الحسين-عليه السلام- قائلاً: «والله لوَدَدتُ أنّي قُتلت ثمّ نُشـرت ثمّ قُتلت حتّى أُقتل هكذا ألف مرّة، وأنّ الله تعالى يدفع بذلك القتل عن نفسك، وعن أنفس هؤلاء الفتيان من أهل بيتك لفعلتُ ذلك ولم أترككم أبداً».
وقد صدق زهير بن القين في ما قاله للإمام الحسين -عليه السلام- فقد قُتل جميع أصحاب وأنصار الإمام الحسين -عليه السلام -في مقطع زمني قلَّ فيه الناصر وتهافت الناس على الدنيا، ولأنّهم كانوا غرباء لا يخالطهم أحدٌ ولا يوافقهم على نهجهم من ذلك الجمع فردٌ يخاف الله تعالى. ولقد امتاز أصحاب الإمام الحسين -عليه السلام- دون غيرهم من الأنصار بأنّهم كانوا يعلمون بشهادتهم متيقنين من موتهم، متدرِّعين بالقلوب بدل الدروع، ليكونوا أثراً خالداً مدى الدهور وليضـربوا للناس أمثلة الوفاء في سبيل العقيدة ونصـرة دين الله. فها هو ضريحهم الطاهر تحفّه الملائكة ويطوفه الموالون، ولو تتبعنا أبواب الصحن الحسيني الشـريف لرأينا الباب التي تتوسط الضلع الشـرقي منه تحمل اسم (باب الشهداء) لأنّها تؤدي إلى ضريحهم للزائر القادم من زيارة مرقد أبي الفضل العباس-عليه السلام-.
يرجع تاريخ باب الشهداء في الصحن الحسيني الشـريف إلى القرن الرابع الهجري، حيث كان باباً صغيراً حينما كان الصحن الحسيني الشـريف عبارة عن صحن صغير أثري ومنارتين ومدخلين، مدخلٌ يقع في الجهة الشمالية يُطلق عليه اسم باب الصحن الصغير, ومدخل آخر في الجهة الشـرقية يطلق عليه اسم باب الصافي نسبةً إلى مقبرة السيد مهدي الصافي أحد وجهاء مدينة كربلاء المقدّسة، وكانت تقع هذه المقبرة إلى جانب الباب, لكن الصحن القديم أُزيل بأمر من الحكومة عام 1945م لغرض التعمير، واستمرت التغييرات على الصحن الشريف وأبوابه إلى يومنا هذا.
باب الشهداء و المحلات الملاصقة لها عام 1972 م
فباب الشهداء اليوم يقع في منتصف جهة الشـرق، يتجه الزائرون منه إلى مرقد أبي الفضل العباس -عليه السلام- ويقدر عمر هذا الباب بحوالي( 115 ) سنة بحسب رأي المؤرخين, وباب الشهداء هو كباقي أبواب الصحن الشـريف الذي يفصل الحائر الحسيني عن الصحن الشـريف، وفي بداية مدخله رواقٌ إيوانيٌّ مكسو بالكاشي الكربلائي المزخرف بالزخارف الإسلامية الجميلة، و يبلغ طول هذا الإيوان( 15) متراً و( 65) سنتمتراً، ويبلغ عرض المدخل قبل مرحلة التعمير الأخيرة التي أُجريت على أبواب الصحن و الحائر الحسيني ثلاثة أمتار ونصف المتر إلى خمسة أمتار ونصف المتر في بعض مناطق بسبب التخصّـرات الموجودة في الإيوان وشكل القوس المتَّبع في الطراز المعماري، أمّا سقف الرواق فهو مبنيٌّ على شكل قباب صغيرة متناظرة و أقواس مدبَّبة يكسوها الكاشي الكربلائي المزخرف بالنقوش الجميلة التي تبهر الناظرين.
أمّا أرضية مدخل باب الشهداء فهي عبارة عن سُلَّم مغلَّف بالمرمر الأبيض الناصع، وينحدر نحو الصحن الشـريف بأربع عشرة سلَّمة وتنخفض أرضية الصحن الشريف عن مستوى سطح الأرض خارج الصحن بمترين تقريباً.
أمّا الباب الخشبي والذي يتكون من مصـراعين فيبلغ ارتفاعه أربعة أمتار، ويبلغ عرض المصـراع الواحد متر واحد و(59) سنتمتراً مثبت بإطار خشبي سميك، حيث يعطيه سمكه ومتانته وتقنية صناعته القوة ليتحمل ثقل الباب الكبير.
أمّا واجهة الباب من الخارج فقد زيِّنتْ بنقوش و زخارف تتصف بالطراز الإسلامي الجميل، إذْ عَمَد صانعُها على تنفيذها بالطرق أو الحفر اليدوي على الخشب بأشكالٍ تشبه أوراق النباتات، ويطلق عليها بالزخارف النباتية أو الورقية. وضعت في قلب المصـراع الأيمن لباب الشهداء قطعة نحاسية مزخرفة نقشت عليها عبارة (يا حسين) أما المصـراع الأيسـر فوضعت عليه أيضًا قطعةٌ نحاسيةٌ نقشت عليها عبارة (يا قائم آل محمَّد).
باب الشهداء والساحة التي تكونت من هدم الصحن الصغير الصورة ملتقطة في عام 1954م
لقد كان هؤلاء الثلّة المصطفاة حقاً كما وصفهم الإمام الحسين-عليه السلام- بأبيات هي الآن منقوشة على ناصية الباب الأمامية، فقد روى أبو مخنف وغيره من الرواة أنّه - عليه السلام - توجَّه نحو القوم، وجعل ينظر يميناً وشمالاً، فلم يرَ أحداً من أصحابه وأنصاره إلاَّ من صافح التراب جبينه، ومن قطع الحمام أنينه، فنادى - عليه السلام -: يا مسلم بن عقيل، ويا هاني بن عروة، ويا حبيب بن مظاهر، منادياً إياّهم بأسمائهم فرداً فردا، مالي أناديكم فلا تجيبوني، وأدعوكم فلا تسمعوني؟! أنتم نيام أرجوكم تنتبهون، أم حالت مودتكم عن إمامكم فلا تنصـرونه؟! فهذه نساء الرسول - صلّى الله عليه وآله - لفقدكم قد علاهنّ النحول، فقوموا من نومتكم أيّها الكرام، وادفعوا عن حُرم الرسول الطغاةَ اللئام، ولكن صرعكم والله ريبُ المنون، وغدر بكم الدهر الخؤون، وإلّا لما كنتم عن دعوتي تقصـِّرون ، ولا عن نصـرتي تحتجبون، فها نحن عليكم مفتجعون، وبكم لاحقون، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون. ثمّ أنشأ يقول :
قومٌ إذا نُودُوا لِدَفْعِ مُلِمَّة والخيلُ بين مُدَعَّسٍ وَمُكَرْدَسِ
لَبسوا القُلُوبَ على الدروعِ وأقبلوا يَتَهَافتون على ذَهَابِ الأَنْفُسِ
نَصروا الحسينَ فيالهم من فتيةٍ عَافُوا الحياةَ وأُلبِسوا من سُنْدُسِ
لقد نالت باب الشهداء كرامة هذا الاسم المبارك بسبب موقعها المقابل لضـريح الشهداء من أنصار الإمام الحسين عليه وعليهم السلام- فما أن تخطو بقدمك من ذلك الباب متجاوزاً رواقه الإيواني قاصداً الزيارة سيقابلك في داخل الصحن الشـريف بابٌ من الذهب ذو مصـراعين كتب على جانبه باب القاسم -عليه السلام- حيث سيأخذك هذا الباب مباشرةً إلى ضريح سيد الشهداء -عليه السلام- من جهة ضريح علي الأكبر -عليه السلام- وحيث مرقد الشهداء عليهم السلام على جهة اليسار.
وبعد الازدياد الملحوظ في عدد الزائرين الى الحرم المقدّس وخصوصاً في الزيارات المليونية ارتأت إدارة العتبة الحسينية المقدسة وبتوجيه من المتولّي الشـرعي للعتبة المقدسة سماحة الشيخ عبد المهدي الكربلائي أن توعز إلى قسم المشاريع الهندسية لتوسعة أبواب الصحن الشـريف لاستيعاب أعداد الزائرين المليونية, فباشرت الكوادر الهندسية بباب الشهداء بعد إنهاء المرحلة الأولى من توسعة باب القبلة، حيث يعد باب الشهداء من الأبواب المهمّة في الصحن الحسيني الشـريف كونه الباب الرئيس لخروج المواكب الحسينية و العزاءات في شهر محرّم الحرام إضافة إلى خروج موكب عزاء طويريج من هذا الباب في العاشر من المحرّم الحرام في كل عام متجهًا نحو حرم أبي الفضل العباس -عليه السلام- .
فبعد أن كان عرض باب الشهداء -قبل أن تجرى عليه أعمال التوسعة- مترين ونصف المتر تقريباً أصبح عرض الباب بعد عمليات التوسعة خمسة أمتار وخمسين سنتمتراً أي ما يفوق ضعف عرضه السابق، وبعد أن كان ارتفاع الباب عند المدخل أربعة أمتار أصبح بعد التوسعة ستة أمتار، وقد تمّ كلُّ ذلك في مدة قياسية مراعاة الطراز الإسلامي المتّبع في الأبواب الأخرى في تغليفه بالكاشي الكربلائي المزخرف و المعرَّق وبناء الأقواس الإيوانية المدببة ذات الشكل البديع، حيث تمت أعمال التوسعة في مدة سنة وشهرين, وتم صناعة الباب الجديد من أرقى أنواع الخشب من قبل شركة ماليزية مختصة بصناعة الأخشاب, أمّا الباب القديم وكما هو متعارف عليه وضع في مخازن العتبة الحسينية المقدّسة ينتظر مكانه في متحف العتبة الحسينية الجديد.