يتضح جليا للدارسين في التراث الفكري والعلمي لمدينة كربلاء المقدسة ، أن بواكير النهضة الفكرية في كربلاء كانت مع بدايات القرن الثالث الهجري حيث تتميز بوجود مجتمع علمي راق وكان يشع ضوءاً على أرض العراق ، وكان يؤشر الى بروز عدد من الأعلام الذين اشتهروا بفروع معينة من المعرفة كالفقه والأصول والتفسير واللغة والنحو والأدب ، فهم الذين نشروا الحديث وحملوا هذه الثقافة بنفس قوية العزمات .
ان لهجرة العلماء إلى الأمصار قد أدى إلى انتشار الحديث ، ولهذا السبب هاجر الكثير من الأعلام أوطانهم طلباً للسماع لما في ذلك فضل في ايصال المعرفة من المعلم الأول وهو النبي (صلى الله عليه واله ) وأهل بيته الكرام (عليهم السلام ) الى الأجيال اللاحقة.
لقد زار كربلاء المقدسة خلال القرن الثالث الهجري كبار رجال الحديث والسير من رجال الأمامية وأخذوا في تدريس مسائل الدين والفقه لسكانها المجاورين ، فاتسعت الحركة العلمية والأدبية وتقدمت معالمها الدينية و الاجتماعية والاقتصادية وازدهرت في عهد عضد الدولة البويهي في القرن الرابع الهجري ، فاتسعت تجارتها وأخضلت زراعتها وأينعت علومها وآدابها ، فدّب في جسمها روح الحياة والنشاط ، فتخرج منها علماء فطاحل وشعراء مجيدون وتفوقت في مركزها الديني المرموق
ثم أستمرت الحركة العلمية عبر القرون ،ففي القرن الثامن وأوائل التاسع جاءها الشيخ أحمد بن محمد بن فهد الحلي ، فأنعش فيها حركة العلم وأخذ بالتدريس والمناظرة وسماع الحديث .
أما في القرن الثاني عشر الهجري ، فقد أصبحت كربلاء المقدسة عاصمة للعلم ، يأتيها الطلاب من كل حدب وصوب للدراسة في مدارسها ، وكانت قد تفوقت أبان ذلك العهد ، وذلك لوجود علماء كبار أمثال الأغا باقر البهبهاني زعيم الحوزة العلمية والشيخ يوسف البحراني والسيد علي الطباطبائي ( قدس الله اسرارهم ) وغيرهم من أساطين العلم والأدب الذين انجبتهم مدارس كربلاء الدينية وساروا وفق المنهج العلمي الآخذ بأيديهم الى أمام ، وبلغوا أبان تلك الفترة مرحلة رائعة من التقدم .
لقد كانت كربلاء ابان ذلك القرن تعج بفطاحل العلماء ذوي المشارب المختلفة ، فقد احتضنت كبار القرّاء والمفسرين والمحدثين والنحاة واللغويين والأدباء والمتكلمين .
من هنا يتضح أن العوامل المذكورة أعلاه قد أسهمت اسهاما فاعلا في تطور المدينة وتحولها من مجموعة قرى صغيرة إلى مدينة تمصرت فيما بعد ووفد اليها الكثير من الناس للأسباب المشار اليها ، فاتخذت مأوى وملجأ لفئات عديدة منهم ، كأتخاذها من قبل أرباب العلم مكانا للمذاكرة والتحصيل فنتج عن ذلك نشوء الحركة العلمية فيها عبر قرون من الزمان إلى يومنا هذا.
لقد نشطت الحركة العلمية في مدينة كربلاء المقدسة بسبب نزوح الكثير من الشخصيات الفكرية إلى الحائر الحسيني، فكانت لهم نتاجات علمية شاركت في تطوير التراث الإسلامي واغنته بالكثير من الآثار العلمية القيمة، وقد ترتب على ذلك بروز أسر علمية حمل بعضها لقب الحائري نسبة إلى الحائر الحسيني، واحتفظ بعضها الآخر بلقبها المتعارف عليه كأسرة آل الطباطبائي وآل القزويني وآل الشهرستاني وآل الأسترابادي وآل البحراني وآل الرشتي وغيرها.
اشتهرت كربلاء المقدسة منذ القدم بدراسة تعاليم الدين الإسلامي الحنيف وتفسير القرآن الكريم للوافدين من الطلاب الذين قدموا إليها من كل حدب وصوب ، ويهمنا الآن القول أن مدراس كربلاء الدينية كانت بمثابة جامعة كبرى تجمع الطلاب ، وتجعلهم يسيرون وفق النهج المعتدل. فهي تبث الروح العلمية في النفوس. ولئن أردنا أن نحصر العوامل المنبهة للحركة الدينية نجدها تتلخص فيما يأتي:
1 هجرة الزوار إليها وحمل الهدايا والأموال إلى القاطنين فيها بعامل الدين.
2 سكنى المراجع العامة (العلماء) المقلدة من قبل الشيعة.
3 إيمان الأقطار الخارجية بالحركة العلمية وبعثهم رجالاً يتفقهون بالدين.