من المعروف أن للعلماء واساتذة الحوزة العلمية امكنة يتداولون فيها المسائل العلمية مع تلاميذهم ،وهكذا كان يطلق على هذه المقرات أو الحلقات العلمية الدراسية مجالس علم يتداول فيها طلاب العلم من أساتذتهم أو مع مناظريهم في أمور الدين والدنيا وشتى أصناف العلم والمعرفة والفكر ، فالحلقات العلمية التي نقصدها هو أن يحضر الطلبة حلقات درس أشهر الفقهاء وأكابرهم كل حسب تخصصه، فتجري المناقشات في العلوم المختلفة بأن يبدأ الأستاذ موضوع البحث بعرض مادته ومناقشة آراء الفقهاء فيها ثم يبدي رأيه باعتماد دليله العلمي فيها ، ثم تفتح أبواب الحوار لمناقشة الآراء في تلك المسألة ثم طرح الأسئلة والإجابة عنها وتستمر لساعات طويلة بين محاضرات ومناظرات ومناقشات وسماع ومواعظ كما اشير الى ذلك في كتاب الحياة العلمية في العراق في العصر السلجوقي لـمريزن سعيد مريزن ,ط1 , مكتبة الطالب الجامعي ( مكة المكرمة : 1987م )ص 222 .
فضلاً عن هذا إن الأساتذة على اختلاف مستوياتهم لم يكونوا ملتزمين بالتوقف عند محاضرة معينة ، بل أنهم يقومون بتدريس علوم عديدة وحسب المواد التـي كانـوا قـد أتقــنوها وأجــيزوا بروايتها ، فـمثلاً ابن فهد الحلي ( ت841هـ/1437م ) يدرس السيد علي بن عبد الكريم بن عبد الحميد بن فخار الحائري الفقه وأصوله وروايته الحديث وعلم الأنساب، وهكذا كان للفقيه أن يدرس تلاميذه أكثر من مادة علمية ، ولطلابه أن يتصدوا لتدريسها في حالة الإجازة عنه فيها .
ومدرسة كربلاء العلمية هي مثل غيرها من المدارس آنذاك ، حظيت بوجود حلقات الدرس المنعقدة في دور العلماء ، ولو أن المصادر لم تسعفنا إلا بذكر حلقة الفقيه الياس بن محمد بن هشام الحائري ( كان حيا سنة538هـ/1143م ) المنعقدة في داره الكائنة قرب الروضة الحسينية المطهرة كما ذكره العلامة الطهراني في طبقات اعلام الشيعة ، ج2،ص49 ، وكذلك المجالس والمساجد والمدارس العلمية ، وهذا كان الأسلوب العلمي المتبع في كل البلدان الإسلامية .
ولعل أشهر أمكنة الدرس في كربلاء هي في المساجد والأروقة المحيطة بالروضتين الحسينية والعباسية المطهرة ، ونقصد بالمساجد ، مسجد الضريح الحسيني ومسجد الضريح العباسي والأروقة التابعة لها ، وبعض المساجد المشيدة قرب الضريحين بالأعم الأغلب .
فكان لكل فقيه في هذه الأمكنة مجلس درس خاص به ، ومجلس الدرس فنقول : المجلس هو مكان للتعلم والدراسة يحصل على أساسه اتفاق بين الأستاذ وطلبته على مكان معين لكي يعقدوا فيه حلقة درسهم ، ويسمى المجلس باسم الشيخ الذي يدرس فيه، مثل مجلس درس السيد النقيب محمد بن علي بن حمزة الاقساسي (ت ق6هـ/12م ) وأخذة عنه في الرواية السيد معد بن فخار بن احمد .
وما يميز حوزة كربلاء العلمية حقا أنها شهدت وجود نمطين من هذه المجالس والحلقات ، الأول دائم ، وقد تطول حتى عامين أو ثلاث إلى أن يكمل الأستاذ مادته ، فيتمكن فيها الأستاذ من إجازة عدد من تلاميذه ، ليتصدوا من بعده للدرس في العلم الذي أتقنوه ، وأجيزوا فيه عنه ، فيكون هو رائدهم ، ومن أمثلة هذه المجالس ما مر ذكره آنفا ، مجلس درس السيد النقيب محمد الاقساسي ، أو مجالس درس آل فخار في الروضة الحسينية ، وهم فخار بن أحمد وولديه معد وعبد الحميد وأولادهم ، هذا إلى جانب تدريسهم خارج كربلاء ، وكـذا مجلـس درس السيد الفقيه رضي الدين علي بن طاووس (ت664هـ/1265م ) الذي دام ثلاث سنين ، والسـيد احمـد بن طاووس ( ت673هـ/1274م ) وولـده السـيد عبد الكـريم بن احمد بن طاووس ( ت693هـ/1293م ) والفقيـه عـز الدين أبـو محـمد الحسـن بـن شمـس الديـن محمـد الاسدي ( ت783هـ/1381م ) وغيرهم ، أما النمط الثاني فكانت مجالس مؤقتة ، تعقد لبعض الشهور ، يستغل فيها أصحاب هذه المجالس من العلماء قدومهم إلى زيارة المراقد المقدسة في كربلاء بعقد دروسهم وإفادة طلبة العلم فيها ، ودائما ما كانت هذه المجالس تعقد لطلبة العلم المتقدمين من طلبة الاجتهاد ، وغالبا ما تكون مخصوصة في علم ما أو للحصول على إجازة من ذلك الفقيه الأستاذ ، وذلك لقصر مدة انعقاد الدرس كما ذكر في كتاب كربلاء ودورها العلمي والمرجعي، ص644 .
أما الحلقات العلمية المؤقتة التي كانت تعقد لمدة زمنية ترتبط بوجود شيوخها مثل مجلس العلامة الحسن بن يوسف بن المطهر الحلي (ت726هـ/1325م) الذي قدم إلى كربلاء المقدسة وبقي مدة من الزمن أفاد الناس فيها واستفتاهم وأجاز بعض تلاميذه فيها ممن تبعه من الحلة إليها تبركاً بمرقد الإمام الحسين( عليه السلام ) ، ومنهم رشيد الدين علي بن محمد الآوي الذي أجازه سنة (705هـ/1305م) وذكر أن العلامة كتب كتابه ( نهج المسترشدين في أصول الدين ) في الحضرة الحائرية المطهرة في شهر رجب سنة (705هـ/1305م)هذا وقد أجاز السيد عميد الدين السيد عبد المطلب بن السيد محمد العلوي الحسيني الملقب بالأعرج ألعميدي ( ت754هـ/1353م ) وهو من ابرز علماء القرن الثامن للهجرة/الرابع عشر للميلاد ، والذي أجاز لتلميذه محمد بن مكي العاملي (ت 786هـ/1384م ) الذي كان أول تتلمذ عليه في الحضرة الحسينية في 19 رمضان سنة ( 751هـ/1350م )
فالعلماء كانوا أشبه بالمدارس المتنقلة في كل بلد يحلون به ويخرًجون تلاميذ من الفقهاء والأدباء والمفكرين الذين يأخذون دورهم في إخراج جيل آخر يحمل ما حملوه من علوم .