إعتاد الكربلائيون على ممارسة عدد من العادات والتقاليد في شهر رمضان المبارك ولا بأس بالاشارة الى اهمها في هذه السطور :
فقد كانت تعقد المجالس الوعظية الرمضانية في مناطق عديدة ضمن مدينة كربلاء المقدسة والتي تستقطب شرائح عديدة من ابناء المجتمع ، ومن بين تلك المجالس الكبيرة التي تعقد في المدينة المجلس المقام في ساحة الامام علي (ساحة البلوش قديماً) من قبل سواق سيارات الاجرة ، ومجلس باب قبلة العباس عليه السلام والمجلس المنعقد في الصحن الحسيني والمجلس المنعقد في الصحن العباسي . بالاضافة الى المجالس الادبية التي تعقد في منتديات كربلاء ، وتدور بين روادها الاحاديث الرمضانية الشيقة والقاء الشعر فيها ، حيث ان النوادر النثرية والنكات الشعرية يكون مجالها أوسع وشذاها أضوع .
وتقام مجالس التعزية (القرايات) وهي ذات أعمال صالحة تمهد للناس العمل بموجبها والالتزام بها والغاية منها الحصول على الثواب . وفي المجالس المذكورة أيضاً ينظم الشعر ارتجالاً ويتبارى الشعراء بالمطارحات الشعرية ، فنسمع شعراً مطبوعاً وادباً رقيقاً وعواطف ملتهبة وشعوراً سامياً ، ونلمس نفساً عربية وثابة وروحاً طموحة . وتدور المداعبات والطرف والتندر ويتم تسجيل الحوادث التاريخية والادبية وتتناشد الاشعار الرقيقة وفيها جمام النفس وغذاء الروح ، لما لهذه اللقاءات الفكرية من أثر في التوجيه والاصلاح الذي نحن بأمس الحاجة اليه .
يقول السيد سلمان ال طعمة : ومن طريف ما حدث ان المرحوم الشيخ موسى الاصفر المتوفى سنة 1289هـ وهو من شعراء كربلاء المعمرين المعروفين بعمق التفكير وسرعة البديهة وكان في مجلس العالم الفاضل السيد علي نقي الطباطبائي النادرة التالية مخاطباً السيد بأبيات يستفتيه بأنه هل يصوم المفلس في رمضان أم لا ؟ فقال :
مسـألة أتعبـنـي حلـهـا وأنت فيها سيـدي أخبرُ
رمضان شهر جاءنا مسرعاً يصومه المفلس أم يفطر ؟
وكان مجلس السيد حاشداً بعلية القوم من الادباء وأهل الفضل يحتضن نخبة صالحة من رجال العلم والادب وغواة الشعر ، وكان من جملة من يرتاده الشيخ محسن الخضري المتوفى سنة 1245هـ فارتجل مجيباً الشيخ موسى نيابة عن السيد قائلاً : رمضان شهر واجب صومه وغير ذات العذر لا يعذر
الصوم امساك وكـفٌ مـن افلس في احـرازه اجـدر
ومن المميزات التي تتسم بها هذه المجالس ما كان يدور بين رجال الدين من سادة وشيوخ الذين يتربعون في ابواب غرف الصحن الشريف الحسيني . وكانت عملية نقد للسلطة الحاكمة آنذاك . . وكانت تشجع تلك الحلقات النقاش الجدلي في أواوين الصحن والمساجد كما كانت تقام الصلاة في المساجد وفي البيوت ثم ترتفع اصوات القراء وتلاوة القرآن الكريم بتلاوة شجية جليلة . حتى الشباب والأطفال يجمعهم شهر رمضان على الوئام والمحبة ، فالأطفال يجتمعون في الساحات العامة للعب بعض الألعاب المسلية .
وفي ليلة الخامس عشر من شهر رمضان التي تصادف ليلة مولد الامام الحسن عليه السلام تعقد المحافل في معظم المساجد والبيوت وفي الصحنين المطهرين ، كما تقام معالم الزينة في شوارع المدينة وأسواقها .
ومن الصائمين من كان يمارس اعمالاً دينية نذكر منها زيارة العتبات المقدسة ، واعطاء الخيرات والمبرات في كل ليلة من ليالي رمضان وخاصة في ليالي القدر والجمع . فقد كانت الصواني الحافلة بأطايب الطعام تحمل الى دور الفقراء وتوزع على ابناء السبيل . ويتم (حمل المصاحف) في مرقد الامام الحسين ومرقد اخيه العباس عليهما السلام وفي المساجد والبيوت .
أما مجالس التجويد فهي كثيرة وتعقد في الغالب في المقابر المحيطة بالصحن وابرز المساجد ، وهي حلقات لقراءة القرآن وتعليم التجويد وقواعده . ومن المختصين بعلم التجويد وقواعده . ومن المختصين بعلم التجويد الحاج عبد الله والحاج محمد حسين الكاتب والسيد محمد حسن السيف والملا حمود النجار وغيرهم وهم يستمعون لكل قارئ ويصلحون اخطاءه . وفي كل ليلة تقرأ سورة كاملة من قبل الجالسين ، ثم يختم القرآن ليلة العيد ، فيوزع ماء الورد ومواد اخرى ، وتجلب من البيوت الصواني التي تحتوي على البخور والشموع الموقدة نذراً لخاتمي القرآن وذلك من أصحاب المحافل . كما توزع كتب خاصة بالمناسبة كالقرآن الكريم والصحيفة السجادية وهداية المستفيد في علم التجويد وغيرها .
وتقوم محافل ختمة القرآن الخاصة بالنساء في أيام شهر رمضان نهاراً ، وتكون المراسيم نفسها التي تطبق في مجالس الرجال عدا الأكل .
وفي رمضان تكون حركة المرور في النهار بطيئة مقابل الحركة الشديدة في الليل . وهناك عادة استحدثت في السنوات الأخيرة ، وهي السفر الى سامراء بعد صلاة الظهر من كل يوم من أيام رمضان والعودة الى كربلاء في منتصف الليل أي قبل السحور بساعة تقريباً . وهناك مجالس خاصة للافطار تقيمها بعض الأسر الموسرة بمثابة خيرات . ومن المميزات الخاصة بليالي القدر ان الناس يسهرون حتى الصباح ، وفيها يتوافد الزوار على المدينة لزيارة العتبات المقدسة ، ثم يتوجهون الى النجف ، حيث تصادف ذكرى استشهاد الامام أمير المؤمنين علي عليه السلام . ولهذه الليلة طقوس خاصة منها ان التجار يوزعون كيلوين لحم وكيلوين تمن وكيلوين دهن على الفقراء . كما يوزع البعض نقوداً ، وتوزع كميات كبيرة من الأطعمة والفواكه ، وذلك في الصحنين المطهرين والمساجد او ترسل الى بيوت بعض الأسر الفقيرة أو في أي مكان آخر . وغالباً ما توزع بطاقات خاصة تعرف بـ (التكتات) على الفقراء كيما يستطيع هؤلاء شراء الخبز بواسطتها ، ولعلهم استندوا الى الحديث النبوي الشريف : ايها الناس من أفطر منكم صائماً في هذا الشهر كان له عتق رقبة ومغفرة لما مضى من ذنوبه . وبذلك يكسب المتبرع أجراً كبيراً . وفي ليالي القدر يتلو الناس القرآن ويدعو الله كثيراً . كما يُعقد مجلس حاشد في دار الأميرة الهندية تاج دار باهو في محلة باب الطاق بعد الافطار ، ويقرأ بعض أفراد الجالية الهندية مجلس تعزية واشعاراً بلغتهم . وفي الليلة الأخيرة التي تصادف شهادة الامام علي (عليه السلام) يخرج موكب للعزاء يحمل نعش الامام المغطى بالعمة الخضراء ثم يطوف الموكب شوارع المدينة وساحاتها ماراً بالروضتين وينتهي بالدار .
وهناك ظاهرة الحر الشديد ، فقد كان رمضان يمر في السنين الخوالي بموسم الصيف ، فلم يطق الصائم صبراً ، مما يضطر البعض الخروج الى نهر الحسينية وقت العصر ، فيدخل جسمه (يغطسه) الى حد الرقبة في النهر أو في أحواض البيوت لحين وقت أذان المغرب . وكان الناس قديماً يملأون جرارهم (الشراب الخزفية) ويضعونها فوق سطوح المنازل (الستائر) حتى يبرد ماؤها لحين الافطار . ولما لم يكن الماء بارداً فان (المشربة) كانت تتدلى في البئر احياناً لحين وقت الافطار حتى يبرد ماؤها ، ، ولا تخلو البيوت يومذاك من الآبار ، والناس ينهمكون بأعمالهم في السوق ، وانهم يبللون الأزر (الوزرات) ويضعونها على رؤوسهم اتقاء الحر الشديد . وقد وصف الشاعر الكربلائي الشيخ محمد حسن ابو المحاسن (ت 1344هـ ـ 1924م) يوماً من أيام شهر رمضان في كربلاء شديد الحر :
ويومٍ كظل الرمح بين نفوسنا وبين الظمأ والجوع فيه عراك
وقد وقفت شمس النهار فمالها وما لجسوم الصائميـن حراك
ممارسات دينية وعادات اجتماعية رمضانية في كربلاء