يُعتبر الاهتمام بليلة النصف من شهر رمضان المبارك من أهم العادات الشعبية الرمضانية في مدينة كربلاء المقدسة ، وتنتشر هذه التراثيات ايضا انتشاراً واسعاً في كل دول الخليج و جنوب إيران و البصرة و غيرها من مُدن العراق ، و كذلك غيرها من البلدان الإسلامية .
أما أبطال عادات ليلة النصف من رمضان المبارك فهم الأطفال الذين يجوبون الشوارع و الأزقة مبتهجين بهذه المناسبة الرمضانية التي توارثتها الأجيال ، و هم يلبسون الملابس الجديدة و التي قد تُخاط لهم خصيصاً لهذه المناسبة ، و يحملون معهم أكياساً يجمعون فيها الحلوى و المكسرات التي يحصلون عليها من أصحاب البيوت .
وتسمى هذه التراثيات في العراق (الماجينه ) وفي بقية الدول القريقعان ، واشار بعض الباحثين الى ان هناك أكثر من قول في معنى قرقيعان :
القول الأول : أن قرقيعان لفظ عامي مأخوذٌ من قرع الباب ، و ذلك لأن الأطفال يقومون بقرع أبواب البيوت في هذه المناسبة فسُميت المناسبة بالقرقيعان .
القول الثاني : أنه مشتق من قرَّةُ العين و هو ما فيه سرور الإنسان و فرحه ، و منه قول الله عَزَّ و جَلَّ : ﴿ ... رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ ... ﴾سورة الفرقان ( 25 ) ، الآية : 74.
ومهما يكن الاصل فإن مبدأ الماجينه يرجع إلى مولد سبط رسول الله ( صلى الله عليه و آله ) الحسن بن علي ( عليه السَّلام ) ، حيث أن ولادته الميمونة كانت في النصف من شهر رمضان المبارك من السنة الثانية أو الثالثة من الهجرة المباركة .
نعم كان النبي المصطفى ( صلى الله عليه و آله ) ينتظر بفارغ الصبر أول وليد لبيت الرسالة و ما أن بُشِّر بولادته حتى أسرع إلى بيت فاطمة ( عليها السلام ) فرِحاً مسروراً ، ثم استدعى سبطه الحبيب ليشمَّه و يُقبلهُ و يؤذِّن و يُقيم في أذُنيه ، حينها نزل عليه جبريل ( عليه السَّلام ) ليُهنئه أولاً ، ثم ليقول له سمِّه حَسَناً ، فسماهُ حسناً بأمر من الله عَزَّ و جَلَّ .
و ما أن عَلِمَ المسلمون بخبر الولادة الميمونة التي فرح بها النبي ( صلى الله عليه و آله ) و أهل بيته ( عليهم السلام ) حتى توافدوا على بيت الرسول ( صلى الله عليه و آله ) يزفون إليه أحر آيات التهاني و يباركون له مولد سبطه الحسن ، و هكذا بقيت هذه العادة جارية في المسلمين حتى يومنا هذا .
و للأطفال في مهرجان الماجينة او القرقيعان أهازيج و أشعار باللغة العامية يرددونها ببراءة طفولية كلما وقفوا على باب من أبواب محلتهم و حارتهم ، لكن هذه الأهازيج و الأشعار تختلف من بلدٍ إلى بلد .
و في كربلاء المقدسة وبقية مدن العراق يسير الاطفال و لهم اهزوجتهم الخاصة :
ماجينه يا ماجينه
حل الكيس و انطينه
انطونه الله ينطيكم
بيت مكة يوديكم
و إذا طال عليهم الوقوف ولم يخرج إليهم صاحب الدار يصرخون بأعلى أصواتهم :
يا أهل السطوح
تنطونه لو نروح
لا شك في أن الإحتفال بهذه المناسبة التي تبعث النشاط و السرور في قلوب الأطفال جائزة ما لم يُخالطها مُحرَّم كما هو الغالب ، حيث أنها تعبِّر عن براءة الطفولة و صفائها ، خاصة و أنها بمناسبة مولد سبط الرسول المصطفى ( صلى الله عليه و آله ) الإمام الحسن المجتبى ( عليه السَّلام ) ثاني أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) .
و الغريب أنه في الآونة الأخيرة بدأت بعض الجماعات المعروفة بتوجهاتها المعادية لأهل البيت ( عليهم السلام ) التركيز على مهاجمة هذه العادة بإعتبار أنها بدعة ، و عليه فهي غير جائزة .
و هنا لا بد لنا أن نقول أن البدعة هي الزيادة في الدين و جعل ما ليس في الدين داخلاً في الدين .
قال العلامة الطُريحي : البِدْعَةُ بالكسر فالسكون الحَدَثَ في الدين ، و ما ليس له أصل في كتاب و لا سنة ، و إنما سميت بدعة لأن قائلها ابتدعها هو نفسه ، و البدع بالكسر و الفتح جمع بدعة (مجمع البحرين : 4 / 299).
و من الواضح أن ما نحن فيه ليس من هذا القبيل ، حيث أننا لم نسمع بأن أحداً يعتقد بأن ما يقوم به الأطفال هو من الدين حتى يقال فيه أنه بدعة !