في عهد الرئاسة العامة لشيخ العلماء ومربي المجتهدين ومعلم الفقهاء الفحول المولى محمد شريف بن المولى حسن علي القبيسي المازندراني الحائري ، المعروف بشريف العلماء ، أخذت الحوزة العلمية في كربلاء زخما قويا ،وطاقة إضافية ، نظرا لأن حلقات درسه وأبحاثه وتقريراته الفقهية والأصولية إجتذبت إلى مدينة كربلاء المقدسة المئات بل الآلاف من الفضلاء والطلاب المبتدئين والمنتهين ، إذ كان يحضر تحت منبر درسه ألف من الطلبة فيهم العلماء والأفاضل، وقد مدحه بعض تلامذته ، ومنهم تلميذه «الفاضل الدربندي» حتى فضله على المتقدمين والمتأخرين، ووصفه تلميذه السيد محمد شفيع بن السيد علي أكبر الموسوي الحسيني العلوي البروجردي ، في إجازته المسماة (الروضة البهية في الطرق الشفيعية) فقال بشأن أساتذته ومشايخه: فمنهم السالك في مسالك التحقيق ، والعارج في مدارج التدقيق ، مقنن القوانين ألأصولية ، مشيد المباني الفرعية ، مفتاح العلوم الشرعية ، مربي العلماء ألإمامية ، مدرس الطالبين جميعا في جوار ثالث الأئمة ، شيخنا ، وأستاذنا ومربينا ووالدنا الروحاني والعالم الرباني ، محمد شريف إبن ملا حسن علي المازندراني أصلا والحائري سكنا ومدفنا، أصله من آمل مازندران ، والظاهر أن مولده في كربلاء المشرفة وببالي أني سمعته منه ، وعاش فيها أكثر عمره الشريف ، وإشتغل أولا على السيد محمد إبن السيد علي صاحب الرياض ، ثم على والده، وفي مدة تسع سنين صرفها في الفقه والأصول ، صار مستغنيا عن الاشتغال وجامعا لشرائط الاجتهاد . . . الخ .
وللتدليل على كثافة الحركة العلمية والتدريسية في كربلاء على عهد شريف العلماء المازندراني ، نورد هنا ما ذكره العلامة السيد محسن العاملي صاحب «أعيان الشيعة» ، في ترجمته للشيخ محمد صالح الجوبارئي المازندراني فقال: كان من أجلة علماء عصره وشيوخ العلم ، إشتغل أولا بأصفهان حتى صار من المدرسين بها، ثم هاجر إلى كربلاء وحضر درس شريف العلماء ، حتى صار من أعلام تلامذته ، ولما ورد الشيخ موسى إبن الشيخ جعفر ـ صاحب كشف الغطاء ـ إلى كربلاء لبعض الفتن التي وقعت في النجف وشرع في الدرس ، وكذلك أخوه الشيخ علي ، أكب عليهما فضلاء الحائر ، وكان الحائر الشريف (كربلاء) يومئذ محط رحل أهل العلم، فيه ألف فاضل من علماء إيران ، وكانوا يحضرون درس شريف العلماء ، فحضر المترجم درس الشيخين (الشيخ موسى والشيخ علي) ، وكانا يدرسان الفقه لا غير، فإستحسن فقههما ولازم درسهما ، ولم يمكث الشيخ موسى غير ستة أشهر ورجع مع أخيه إلى النجف ، فلما إنقضى المحرم من تلك السنة توفى شريف العلماء ، فورد النجف ألف من طلبة كربلاء ومنهم المترجم ، وسكنوا النجف حبا بمدرسة الشيخ موسى واخيه الشيخ علي ، وبعد أيام توفى الشيخ موسى سنة 1244 هـ ، وإستقل الشيخ علي بالتدريس ، ومنها صارت النجف مرجعا لأهل العلم من إيران ، وقبلها كانت كربلاء مرجعا لهم . . الخ.
وهكذا إتجهت الأنظار إلى النجف الأشرف ، حيث إنتقل إليها ثقل الحركة التدريسية بعد وفاة شريف العلماء المازندراني ، وفي هذه الأثناء بدأ نجم العالم المحقق والفقيه المتتبع ، كبير الفقهاء المجتهدين ، الشيخ محمد حسن النجفي صاحب كتاب «الجواهر» ، المتوفى سنة 1266 هـ يلمع ويسطع في سماء العلم والفضيلة ، بهذه المدينة المشرفة «النجف».
فقد إجتذبت حلقة دروسه وأبحاثه القيمة طلاب العلم إلى النجف ، بفضل ما توفر له من تعبيرات بيانية رفيعة وغزارة في العلم ، وفكر ثاب ورأي صائب ، فبذل جهدا دؤوبا في مجال التدريس ، وتفرغ كليا للمطالعة والتحقيق ، وسعى إلى تربية رعيل من العماء ألأصوليين والفقهاء المحققين ، وآلت إليه المرجعية الدينية الكبرى عن جدارة وأهلية. تاريخ الحركة العلمية في كربلاء ، نور الدين الشاهرودي : 158-162.