العباس بن علي - عليهما السلام- في كلمات الائمة الطاهرين - عليهم السلام -
إنّي لا أحسب القارئ في بحاجة إلى الإفاضة في هذه الغاية، بعد ما وقف على مكانة أبي الفضل - عليه السلام - من العلم والتُّقى والملَكات الفاضلة، من إباءٍ وشَمم وتضحية في سبيل الهدى، وتهالك في العبادة، فإنّ أئمة الهدى من أهل البيت -عليهم السلام- يُقدّرون لمن هو دونه في تلكم الأحوال فضله، فكيف به وهو من لُحمتهم، وفرع أرومتهم، وغصن باسق في دوحتهم! وقد أثبت له الإمام السجاد - عليه السلام - منزلةً كبرى لم ينلها غيره من الشهداء ساوى بها عمّه الطيار، فقال - عليه السلام - :
(رحم اللّه عمّي العبّاس بن علي، فلقد آثر وأبلى، وفدى أخاه بنفسه حتّى قُطعت يداه، فأبدله اللّه عزّوجلّ جناحين يطير بهما مع الملائكة في الجنّة، كما جعل لجعفر بن أبي طالب، إنّ للعبّاس عند اللّه تبارك وتعالى منزلة يغبطه عليها جميع الشهداء يوم القيامة ) ولفظ الجميع يشمل مثل حمزة وجعفر الشاهدين للأنبياء بالتبليغ وأداء الرسالة.
ولعلّ ما جاء في زيارة الشهداء يشهد له الامام الصادق - عليه السلام - : (السلام عليكم أيّها الربّانيون، أنتم لنا فرط وسلف ونحن لكم أتباع وأنصار، أنتم سادة الشهداء في الدنيا والآخرة).وكذلك قوله - عليه السلام - فيهم:(إنّهم لم يسبقهم سابق، ولا يلحقهم لاحق).فقد أثبت لهم السيادة على جميع الشهداء، أنّهم لم يسبقهم ولا يلحقهم أي أحد، وأبو الفضل في جملتهم بهذا التفضيل، وقد انفرد عنهم بما أثبته له الإمام السجاد - عليه السلام - من المنزلة التي لم تكن لأيّ شهيد.
ولهذه الغايات الثمينة، والمراتب العُليا كان أهل البيت - عليهم السلام - يدخلونه في أعالي أُمورهم ما لا يتدخّل فيه إنسان عادي، فمن ذلك مشاطرته الإمام الحسين في غسل الإمام الحسن - عليهما السلام - .وأنتَ بعد ما علمت مرتبة الإمامة، وموقف صاحبها من العظمة، وأنّه لا يلي أمره إلاّ إمام مثله، فلا مدحة لك إلاّ الإيمان بأنّ من له أي تدخل في ذلك بالخدمة من جلب الماء وما يقتضيه الحال أعظم رجل في العالم بعد أئمة الدين، فإنّ جثمان المعصوم عند سيره إلى المبدأ الأعلى ـ تقدّست أسماؤه ـ لا يمكن أن يقرب أو ينظر إليه من تقاعس عن تلك المرتبة، إذ هو مقام قاب قوسين أو أدنى، ذلك الذي لم يطق الروح الأمين أن يصل إليه حتّى تقهقر، وغاب النّبي الأقدّس في سبحات الملكوت والجلال وحده إلى أن وقف الموقف الرهيب.
وهكذا خلفاء النّبي - صلى الله عليه وآله - المشاركون له في المآثر كُلّها ما خلا النبوّة والأزواج ومنه حال انقطاعهم عن عالم الوجود بانتهاء أمد الفيض المقدّس.
ومثله ما جاء في الأثر عن الإشراف على ضريح رسول اللّه- صلى الله عليه وآله - حذراً أن يرى الناظر شيئاً فيعمى وقد اشتهر ذلك بين أهل المدينة، فكان إذا سقط في الضريح شيء أنزلوا صبياً وشدّوا عينيه بعصابة فيخرجه.
وهذه أسرار لا تصل إليها أفكار البشر، وليس لنا إلاّ التسليم على الجملة، ولا سبيل لنا إلى الإنكار بمجرّد بُعدنا عن إدراك مثلها، خصوصاً بعد استفاضة النقل في أنّ للنّبي والأئمة بعد وفاتهم أحوالاً غريبة، ليس لسائر الخلق معهم شركة، كحرمة لحومهم على الأرض، وصعود أجسادهم إلى السماء، ورؤية بعضهم بعضاً، وإحيائهم الأموات منهم بالأجساد الأصلية عند الاقتضاء، إذ لا يمنع العقل منه مع دلالة النقل الكثير عليه، واعتراف الأصحاب به فيصار التحصل أنّ الحواس الظاهرة العادية لا تتحمّل مثل تلك الأمثلة القدّسية، وهي في حال صعودها إلى سبحات القدس إلاّ نفوس المعصومين بعضها مع بعض دون غيرهم، مهما بلغ من الخشوع والطاعة. لكنّ (عباس المعرفة) الذي منحه الإمام في الزيارة أسمى صفة حظي بها الأنبياء والمقرّبون وهي: العبد الصالح تسنّى له التوصّل إلى ذلك المحل الأقدس، من دون أن يذكر له تعصيب عين أو إغضاء طرف، فشارك السبط الشهيد، والرسول الأعظم، ووصيه المقدّم مع الروح الأمين، وجملة الملائكة في غسل الإمام المجتبى الحسن السبط صلوات اللّه عليهم أجمعين. وهذه هي المنزلة الكبرى التي لا يحظى بها إلاّ ذوو النفوس القدسية، من الحجج المعصومين، ولا غرو إن غبط أبا الفضل الصدّيقون والشهداء الصالحون.