يقع عند رجلي الإمام الحسين -عليه السَّلام- مباشرة ويضمهما معاً الضريح المسدس الشكل حيث يكثر طولاً عند مرقد علي الأكبر، ويزار بزيارة مخصوصة تنبئ عن عظمته ودوره البطولي في الجهاد الإسلامي المقدس ضد الظلم.
وكانت للإمام الحسين -عليه السَّلام- عناية خاصة في إحياء اسم الإمام علي -عليه السَّلام- الذي حاولت الدعاية الأُموية طمسه فسمى أولاده الثلاثة باسم علي الأكبر، والأوسط والأصغر، فبقي الأوسط الذي هو الإمام زين العابدين، وكان الأكبر أول من استشهد من آل البيت وهو في معركة كربلاء، وكان أشبه الناس خلقاً وخُلقاً ومنطقاً برسول الله - صلّى الله عليه وآله-، ولهذا السبب بالذات كان له مكانة خاصة في قلوب آل الرسول، وقد قال الحسين -عليه السَّلام- حين برز إلى المعركة: (اللهم اشهد على هؤلاء فقد برز إليهم غلام أشبه الناس خلقاً وخُلقاً ومنطقاً برسول الله وكنا إذا اشتقنا إلى رؤية نبيك نظرنا إليه، اللهم امنع عنهم بركات الأرض، ومزقهم تمزيقاً، واجعلهم طرائق قدداً، ولا ترضي الولاة عنهم أبداً).
يقول لعض الادباء : يمّمتُ وجهي شَطْرَ كربلاء.. وقصدتُ بقلبي قبراً لسبط سيّد الأنبياء، لصاحب الضريح الأقدس البهيّ، الحسين بن عليّ -عليهما السَّلام- . فإذا بي أرى قبراً مُلحَقاً به! سألت عنه فقيل لي: إنّه قبر ولده الزكيّ، عليّ بن الحسين بن عليّ، دُفن عند رِجلَي أبيه سيّد الشهادة، خفضاً للجَناح إلى يوم القيامة.
وإذ أنظر إلى ذلك القبرالنيّر.. كأنّي بشاعر ينشد، اقتربتُ منه فأنصتُّ إليه فاذا هو يقول مناشداً:
قِفْ بي على ذاك الضريحِ الأنوَرِ بتفـجّـعٍ لنـوى علـيِّ الأكبـرِ
وضَعِ الشفاهَ عليه وانشقْ تَـربةً نَفَحتْ بطِيبِ شذا نسيـمِ العنبـرِ
للهِ قبرٌ ضـمّ منـه ضـريحُـهُ مكنـونَ لؤلؤةٍ بعِقـدٍ جـوهـرِ
فوقف خاشعاً أمام قبر الشابّ الشهيد الذي قُتل بين يدَي أبيه.. وقفت أستذكر التاريخ عن أوصافه، وعن مَحْتِدهِ وأُرومَته.. فإذا بشاعر يهمس في أُذُني:
نَدْبٌ تَحدّرَ من سُلالةِ فتيـةٍ ملأوا رباعَ الأرض بالآلاءِ
بدرٌ تُتوِّجُهُ خلائقُ أحـمـدٍ بفصاحةٍ، وسماحةٍ، ومضاءِ
مُتَجلبِبٌ من حيدرٍ بشجاعةٍ ومن الحسينِ مُوَشَّحٌ بإبـاءِ
فامتلأ قلبي إعجاباً وحبّاً لهذا الفتى الهاشميّ العلَويّ، لكنّ روحي ما تزال ظامئةً إلى الاقتراب منه والتعرّف على المزيد.. فإذا بشاعرٍ كأنّه يستجيب لنداء الروح، فيقول:
لم تَرَ عـيـنٌ نَـظَـرتْ مِثـلَـهُ مِن مُحتَفٍ يمشي ومـن نـاعِـلِ
كـان إذا شُـبَّـت لــه نــارُهُ أوقـدَهـا بـالـشـرفِ القـابـلِ
كيمـا يـراهـا بائـسٌ مُـرْمِـلٌ أو فـردُ حـيٍّ لـيـس بـالآهـلِ
لا يُـؤْثـرُ الدنـيا علـى ديـنـهِ ولا يبيـعُ الـحـقَّ بـالبـاطــلِ
أعني ابن ليلى ذا النَّدى والسُّـدى أعني ابنَ بنتِ الحسَبِ الفـاضـلِ
ـ أيُّها التاريخ، افتح لي صدر صفحاتك الزاهية، واسطع بأسطرك الذهبيّة البهيّة، وقلْ لي: مَن هذا عليّ الأكبر ؟
فأجاب التاريخ وقد خَنَقتْه العَبرة:
ـ عليّ الأكبر.. ذلك المتفرّع عن الشجرة النبويّة والدَّوحة الهاشميّة، الوارث للمآثر الطيّبة.
أبوه سيّد شباب أهل الجنّة وجدُّه لأبيه سيّد الأوصياء وإمام الأتقياء، صاحب المناقب الفريدة عليّ بن أبي طالب-عليه السَّلام- .
وأمُّه ليلى بنت أبي مُرّة الثقفيّ، المرأة الطاهرة الصالحة الوفيّة.وجدّته لأبيه فاطمة الزهراء سيّدة نساء العالمين -عليها السّلام-
أمّا جدّه الأعلى فهو سيّد الأنبياء والمرسلين، وأشرف الخلائق أجمعين، محمّد المصطفى الأمين -صلوات الله عليه وعلى آله الطيّبين-
كان الإمام الحسين -عليه السَّلام- على صِغر سنّه الشريف قد فُجع بوفاة جدّه وحبيبه رسول الله -صلّى الله عليه وآله وسلّم-فخلّف ذلك حزناً وشوقاً إلى تلك الطلعة النبويّة الغرّاء، عاش ذلك كلُّه في قلب الحسين -عليه السَّلام- منذ صباه.. حتّى رُزق بولده «عليّ الأكبر» الذي تكشّفت ملامحه الغرّاء عن نورٍ خاصّ، فأصبح مرآة الجمال النبويّ، ومثالَ خلُقهِ السماويّ، وتعارف عند أهل البيت أنّه أشبَهُ الناس خَلْقاً وخُلُقاً بمحمّد -صلّى الله عليه وآله وسلّم-
ضريح علي الاكبر -عليه السلام - في الحائر الحسيني