في عام 1911 زار الأديب والصحفي ورجل الأعمال العراقي عمانوئيل بن فتح الله عمانوئيل كربلاء وكتب عما شاهده في مجلة لغة العرب البغدادية في عددها الصادر في نفس العام والتي كان يشرف عليها الأب أنستاس ماري الكرملي ، قائلاً :
وقد سرّنا منظر كربلاء أعظم السرور لا سيّما (كربلاء الجديدة) أو شهرنو، فإنّ طرقها منارة كلها تنيرها القناديل والمصابيح ذات الزيت الحجري والقادم من بغداد إذا كان لم يخرج من مدينته الزوراء ويدهشني أعظم الدهشة عند رؤيته لأول مرة هذه الشوارع الفسيحة التي تجري فيها الرياح والأهوية جرياً مطلقاً لا حائل دونها كالتعاريج التي ترى في أزقة بغداد وأغلب مدن بلادنا العثمانية. وعند دخولنا المدينة نزلنا على أحد تجار المدينة وهو السيد صالح السيد مهدي الذي كان قد أعد لنا منزلاً نقيم فيه ، فأقمنا فيه نهاراً وليلتين .
وفي الليلة الأولى خرجنا لمشارفة ما في المدينة مع السيد أحمد وأخذنا نطوف ونجول في الطرق فمررنا على عدة قهوات حسنة الترتيب والتنسيق ورأينا فيها جوامع فيحاء ومساجد حسناء وتكايا بديعة البناء وفنادق تأوي عدداً عديداً من الغرباء وقصوراً شاهقة ودوراً قوراء وأنهاراً جارية ورياضاً غنّاء وأشجاراً غبياء .
والخلاصة وجدنا كربلاء من أمهات مدن ديار العراق إذ إن ثروتها واسعة وتجارتها نافعة وزراعتها متقدمة وصناعتها رائجة شهيرة حتى أن بعض الصناع يفوقون مهرة صناع بغداد بكثير لا سيما في الوشي والتطريز والنقش والحفر على المعادن والتصوير وحسن الخط والصياغة والترصيع وتلبيس الخشب خشباً أثمن وأنفس على أشكال ورسوم بديعة عربية وهندية وفارسية وهندسية .
ولما كان الغد وكان يوم السبت رأينا ما لم نره في الليل فسبقنا وصفه ، وكنا نقف عند التجار زملائنا وحرفائنا ومعاملينا الذين نتعاطى معهم بالبيع والشراء . وفي خارج المدينة نهر أسمه (الحسينية) (بالتصغير) وماؤه عذب فرات ومنه يشرب السكان إلا أن ماءه ينضب في القيظ فتخرج الصدور وتضيق النفوس ويغلو ثمن الماء فيضطر أغلبهم الى حفر الآبار وشرب مياهها وهي دون ماء الحسينية عذوبة فتتولد الأمراض وتفشو بينهم فشواً كبيراً ذريعاً كالحميات والأدواء الوافدة والأمل ان الحكومة تسعى في حفر النهر وحفظ مياهه طول السنة . وفي كربلاء مستشفى عسكري ودار حكومة (سراي) وثكنة للجند وصيدلية وحمامات كثيرة ودار برق وبريد وقيسريات عديدة . وفيها قنصلية إنكليزية والوكيل مسلم وأغلب رعية الإنكليز من الهنود . وفيها أيضاً قنصل روسي وهو مسلم أيضاً من كوه قاف (قوقاسي) وهيأة كربلاء الجديدة ترتقي الى مدحت باشا الشهيرة.
ويبلغ عدد سكانها (105000) نسمة منها 25 ألفاً من العثمانيين و60 إلفاً من الإيرانيين وبعض الأجانب المختلفي العناصر و20 ألفاً من الزوار الغرباء الوافدين إليها من الديار البعيدة وليس فيها نصارى لكن فيها عدد من اليهود. أما هواء كربلاء فمعتدل في الشتاء ورديء في الصيف لرطوبته .
أما في سائر أيام السنة فيشبه هواء سائر مدن العراق بدون فرق يعتد به . والذي يجلب المسلمين الى كربلاء هو زيارة قبر الحسين ابن بنت رسول المسلمين وقبور جماعة من شهداء آل البيت والحسين مدفون في جامع فاخر حسن البناء فيه ثلاث مآذن وقبتان كلها مبنية بالآجر والقاشاني ومغشاة بصفيحة من الذهب الأبريز وهناك أيضاً ساعتان كبيرتان دقاقتان وكل ساعة مبنية على برج شاهق . وفي كربلاء جامع آخر لا يقل عن السابق حسناً في البناء وهو جامع العباس وفيه أيضاً مئذنتان وقبتان وساعتان كبيرتان على الصورة المتقدم ذكرها ووصفها .
وفي هذه المدينة قسم قديم البناء والطرز ضيق الأزقة والشوارع والأسواق إلا أن ما يباع في تلك الأسواق بديع الصنع وأغلب بضائعها تشاكل بضائع بلاد فارس لا سيما يشاهد الناظر كثيراً من الطوس من كبيرة وصغيرة من النحاس الأصفر (الصفر) وهناك سلعة لا تراها تباع في غير كربلاء وهي الترب (جمع تربة وزان غرفة) وهي عبارة عن قطعة من الفخار أخذ ترابها من أرض كربلاء وجلبت على صورة مستديرة أو مربعة أو مستطيلة أو نحو ذلك يتخذها الشيعة وقت الصلاة فيجعلونها في جبهة القبلة ويصلون متجهين نحوها .
ويقسم لواء كربلاء على ثلاثة أقضية وهي مركز قضاء كربلاء والهندية والنجف، وعلى سبع نواح وهي : ثلاث منها في مركز القضاء وأسماؤها : المسيب والرحالية وشفاثة وواحد في الهندية وهي الكفل وثلاث في النجف وهي الكوفة والرحبة والناجية . ولما كان نهار الأحد 4 نيسان نهضنا صباحاً وفطرنا ثم ركبنا العجلات وبرحنا كربلاء في نحو الساعة العاشرة مجلة لغة العرب ، السنة الأولى ، الجزء الرابع ، رجب 1329 شوال ، تشرين أوّل 1911م ، ص156-159.