من المعروف أن سيدنا العباس بن علي - عليهما السلام - ولد في المدينة المنورة ،وكان يتردد على مكة المكرمة للقيام بمناسك الحج والعمرة ،ولقضاء جملة من الحوائج التي يريدها منه الإمام الحسين - عليه السلام - لكن هنالك أياما عاشها العباس- عليه السلام - مع أخيه الحسين في الانطلاق لثورته المباركة عاشها في مكة المكرمة والتي تعرف بالأيام المكية فلو رجعنا الى تاريخ النهضة الحسينية لوجدنا ان عمر الثورة الحسينية منذ انطلاقها من المدينة ووصولا إلى كربلاء كانت هذه المدّة 175 يوماً مقسّمة :
12 يوماً في المدينة و4 أشهر وأيّام ٍفي مكة .و 23 يوماً في طريقه من مكة قاصدا ًالكوفة ثم تحوّل مسيره نحو كربلاء .و 10 أيام في كربلاء .
فهنالك أكثر من 120 يوم قضاها العباس - عليه السلام - في مكة المكرمة أثناء الثورة الحسينية ،يقول الشيخ الطبسي :
المقطع الأطول من عمر النهضة الحسينيّة المقدّسة، ولاشك أنّ ما يقارب المائة وخمسة وعشرين يوماً مساحة زمنية حفلت ثناياها بكثير من الإتصالات واللقاءات والمحاورات والمراسلات وأنشطة أخرى متعدّدة غيرها كان الإمام أبو عبدالله الحسين- عليه السلام - قد قام بها، ولو كان التأريخ قد سجّل لنا جميع تلك الوقائع وتفاصيلها، لكان أغنى المؤرخين والمتتبّعين المحققّين بمادة تأريخية مهمة، ولأعانهم عوناً كبيراً على كشف كثير من الغموض المحيط ببعض الأحداث والمواقف الواقعة في إطار تأريخ هذه النهضة المباركة.
لكنّ المؤسف فعلاً أنّ التأريخ لم يسجل لنا عن هذه الأيام المكيّة إلاّ ملاحظات عامّة غضّت الطرف وأغمضته عن كثير من التفاصيل التأريخية اللازمة في الإجابة على كثير من التساؤلات التي تنقدح في ذهن المتأمل حول تلك الفترة وما جرى فيها وبعدها.
ويمكن للمتتبع أن يحدّد المحاور العامة التي سجلها التأريخ لهذه الفترة المكيّة بما يأتي:
1ـ إنشداد الناس في مكّة الى الإمام- عليه السلام - واحتفاؤهم به، وتضايق عبدالله بن الزبير والسلطة الأموية المحلّية في مكّة لذلك.
2ـ محاولات بعض وجهاء الأمّة لثني الإمام- عليه السلام - عن التوجّه الى العراق في إطار لقاءات ومحاورات النصح والمشورة وبعض المكاتبات في هذا الصدد.
3ـ رسائل أهل الكوفة الى الإمام- عليه السلام - ورسائل الإمام الحسين - عليه السلام - إليهم والى أهل البصرة.
4ـ إرسال الإمام الحسين - عليه السلام - مسلم بن عقيل- عليه السلام - إلى أهل الكوفة.
5ـ خطب الإمام- عليه السلام - قبيل مغادرة مكّة، والمحاولات الأخيرة لثنيه عن التوجّه الى العراق.
ومجموع الروايات التأريخية الواردة في إطار هذه المحاور تعتبر نزراً قليلاً جداً إذا قيست إلى ما يمكن أن تتضمّنه فترة لا تقلّ عن مائة وخمسة وعشرين يوماً من وقائع وأحداث، خصوصاً في مدينة مكّة المكرّمة وفي أيّام كانت هذه المدينة قد غصّت بجموع غفيرة من معتمرين وحجّاج وفدوا إليها من شتى أنحاء العالم الإسلامي، وفيهم شخصيات مهمة كثيرة يستبعد المتأمّل ألا تكون لها لقاءات كثيرة وطويلة مع الإمام الحسين- عليه السلام - الذي هو آنذاك الرمز الديني والروحي لهذه الأمّة(مع الركب الحسيني من المدينة الى المدينة: ج2 ص17.).
ومن الطبيعي إن لسيدنا العباس - عليه السلام - دور مهم جدا في هذه الأحداث لاسيما وهو الأقرب إلى شخص الإمام الحسين - عليه السلام - وحارسه الشخصي بل وفاديه الأول ,فهذه التحركات كانت تدار من قبل سيدنا العباس - عليه السلام - بعد مشاورة أخيه الحسين- عليه السلام - لاسيما حركة الرسائل والوفود الى الحسين- عليه السلام - والتراتيب المهمة لانطلاق نهضة مسلم بن عقيل - عليه السلام -المهمة جدا في مسيرة كربلاء الثورة ،وايضا اخذ البيعة للحسين - عليه السلام - في مكة والاستعداد لتأمين الطريق الى كربلاء والحفاظ على شخص الإمام الحسين - عليه السلام - من الاغتيال وكلها مهام أوكلت للعباس- عليه السلام - وأداها بامتياز .(جنة فضائل العباس - عليه السلام - ج1 ص 480 تحت رقم 212 ).