حاول بعض مؤرخي البلاطات الأموية والعباسية أن يحمل أهل الكوفة وبالاخص الشيعة المسؤولية الكاملة عن قتل الإمام الحسين - عليه السلام - واخيه العباس - عليه السلام - وأصحابه يوم عاشوراء بحيث نقلوا نصا جاء فيه: (وسار القوم جميعا من الكوفة حتى أحاطوا الحسين في أربعين ألف فارس ،لا فيهم شامي ولا حجازي ولا مصري ،بل جميع القوم من أهل الكوفة) (ينابيع المودة ،القندوزي ,(1294هـ) ج3 ص66).
وهذا النص لا يمكن قبوله لعدة أسباب منها :
أولا- إن الإمام المعصوم الصادق - عليه السلام - اعلن بصريح العبارة ان جيش الشام شارك في معركة كربلاء وحاصر الامام الحسين - عليه السلام - وقتله كما في هذا الحديث ( تاسوعاء يومٌ حوصر فيه الحسين × وأصحابه (رضي الله عنهم) بكربلاء ،واجتمع عليه خيل أهل الشام وأناخوا عليه،وفرح ابن مرجانة وعمر بن سعد بتوافر الخيل وكثرتها ،واستضعفوا فيه الحسين صلوات الله عليه وأصحابَه وأيقنوا أنّه لا يأتي الحسين عليه السّلام ناصر، ولايمدّه أهل العراق ،بأبي المستضعف الغريب..) (الفروع من الكافي، للكليني ج 147ص4 . بحار الأنوار ج 95ص45.) .
ثانيا- إن جند الشام الذي كان مرابطاً في الكوفة ،فالحكومة الأموية كان عندها قطعات من جيش الشام ترابط في الكوفة وحولها . قال ابن أعثم في الفتوح، بعد أن أورد خطبة ابن زياد التي وعد فيها بزيادة العطاء للمقاتلين : « ثم نزل المنبر ،ووضع لأهل الشام العطاء فأعطاهم ،ونادى فيهم بالخروج إلى عمر بن سعد ليكونوا عونا له على قتال الحسين » (الفتوح , بن أعثم الكوفي ج 5 ص 89.). وبعض أسماء هؤلاء الشاميين معروفة في التاريخ ، كبكر بن حمران الأحمري، الذي تولى قتل مسلم بن عقيل - عليه السلام - والحصين بن نمير السكوني، أحد قادة عمر بن سعد في كربلاء . وهذا الأخير هو الذي أرسل جنده لكي يحيطوا بالعباس - عليه السلام - من كل جانب وقطعوا يديه ورجليه وهم جند أهل الشام فقتال العباس الأخير كان مع أهل الشام الذين أحاطوا بشريعة الفرات .
ثالثا نقل ابن عصفور في كتابه مصارع الشهداء قال: (ومن أهل الشام ثلاثون ألفًا وعميدهم ربيعة بن سوادة، وسواد بن نحرس، وقيس بن زعّال، وصخر بن طعيم) (مصارع الشهداء ابن عصفور , ص 103.).
ولمْ يكن في ذلك الجيش الذي اجتمع على حرب الحسين - عليه السلام - واخيه العباس - عليه السلام - بكربلاء يوم العاشر من المحرّم شيعي واحد ؛بل كان ذلك الجيش خليطاً مؤلّفا من الخوارج، ومن الحزب الاُموي، ومن المنافقين الذين عانى منهم الإمام علي والإمام الحسن - عليهما السلام - من المحن والأذى . وأيضاً كان فيهم كثير من المرتزقة الذين كانوا يشكلّون جيشاً نظامياً أقامه الولاة للاستعانة بهم على قمع الفتن والحركات الداخلية، وكان أكثرهم من الحمراءـ أي غير العرب ـ لمْ يعرف لهم نسب ولا حسب ولا مبدأ . وبكلمة واحدة : ما كان فيهم شيعي قط .
ودليلنا على ذلك هو : إنّ الكوفة كانت علوية النزعة ،ويغلب عليها التشيّع في عهد الإمام علي - عليه السلام - ،ولكنّها لمْ تبقَ على ذلك بعده ؛لأنّ معاوية وولاته عندما استولوا على الكوفة بعد مقتل الإمام علي - عليه السلام - قتلوا الشيعة فيها وشرّدوهم حتّى لمْ يبق فيها في عصر زياد ونجله شيعي بارز معروف إلاّ وهو مقتول أو مسجون أو مشرّد .
ولنقرا هذا النص التاريخي :كتب معاوية بن أبي سفيان بنسخة واحدة إلى جميع عمّاله وولاته في الأقطار :( أن انظروا إلى مَنْ يُتّهم بحبّ علي فامسحوا اسمه من الديوان ( أي مِنْ كافة الحقوق المدنية والمالية ) ،ومَنْ قامت عليه البيّنة أنّه مِنْ شيعة علي فاقتلوه وانهبوا ماله واهدموا داره) .
فلم تكن الكوفة بعد سنة 51 للهجرة مقرا للتشيع وعاصمته لان الامويين اجروا تغييرا هائلا في التركيبة السكانية للكوفة وشردوا الشيعة في كل مكان .