أين ذهبت الأحاديث التي رواها العباس بن علي -عليهما السلام- ؟
يذكر العسقلاني أن العباس -عليه السلام- رَوّاية أحاديث عن أبيه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -عليه السلام- ففي (الإصابة في تمييز الصحابة) تحت رقم 5692 قال : وروى عنه أي عن علي -عليه السلام- من الصحابة ولداه الحسن والحسين وابن مسعود وأبو موسى وابن عباس وأبو رافع وابن عمر وأبو سعد وصهيب وزيد بن أرقم وجرير وأبو أمامة وأبو جحيفة والبراء بن عازب وأبو الطفيل وآخرون ومن التابعين من المخضرمين أو من له رؤية عبد الله بن شداد بن الهادي وطارق بن شهاب وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام وعبد الله بن الحارث بن نوفل ومسعود بن الحكم ومروان بن الحكم وآخرون ؛ ومن بقية التابعين عدد كثير من أجلِّهم أولاده محمد وعمر وعباس .
والنص الذي نقلناه أعلاه يكشف لنا أنَّ العباس-عليه السلام- كان يروي أحاديث الإمام علي -عليه السلام- باب مدينة العلم النبوي ، فالعباس الذي لم يفارق تلك الأعتاب المقدسة لحظة واحدة ، ولم يبتعد عن تلك الأبواب المحترمة خطوة ، فليلُه ونهارُه ملازم لخدمتهم ملازمة الظل ، مع حرصهم على تثقيف الأبعاد وتعليم الغرباء فكيف لا يثقفون الأقارب ولا يعلمون الأرحام ، ومن المعلوم أنَّ بالملازمة يحصل العلم سماعاً وتعليماً وقد قيل :ولد الفقيه والمشاؤون من الفلاسفة مشوا في ركاب أرسطو كما أنَّ الرواقيين منهم من لازموا رواقه فامتاز الفريقان في فن الفلسفة وشُهر الجمعان بالحكمة .
فكيف لا يمتاز العباس الأكبر -عليه السلام- وهو خريج كلية الحقائق وتلميذ أساتذة الحق وجهابذة المِلَّة وفطاحل علماء الشريعة المقدسة ، ومن تخرج من تلك المدارس الروحانية العرفانية , وجعل في الصف المقدَّم من صفوف تلك الكليات الراقية ، فحريٌّ به أن يفوز بالنجاح وأن يحصل له الامتياز على من عدا أساتذته العظماء وأساتذة علماء الأمة قاطبة ومعلمي علماء الإسلام عامة الفنون كما يقول الشيخ المظفر. فالعباس -عليه السلام- الذي أدرك من حياة أبيه ما يقارب 10 سنوات أدركها وفهمها ، إذا عرفنا أنَّ العباس تميَّز بطفولة عبقرية مميزة ، فحفظ أحاديث أبيه وهو في سن الخامسة ، وبالتالي فإنه لعشر سنين كان ملازماً لأبيه علي -عليه السلام- في أيامه وسفره وليله ونهاره ، فحتماً سمع ووعى مئات إن لم نقل آلاف كلمات وأحاديث الإمام علي-عليه السلام- التي نقلها عن النبي الخاتم -صلى الله عليه وأله وسلم- وبالتالي كان العباس خزانة العلم العلوي بعد أخويه السبطين .
وهناك نتساءل أين ذهب مئات أو آلاف الأحاديث التي سمعها العباس -عليه السلام- وبتالي نقلها إلى كبار أصحاب الأئمة -عليهم السلام- ونحتمل أنه كتبها في رقاع أو جلود وبالتالي نبحث عن سرِّ اختفائها وتضييعها المتعمّد من قبل المؤسسات الحاكمة في التأريخ .
إنَّ ذهاب تراث أبي الفضل العباس-عليه السلام- الذي نقله عن أبيه باب مدينة العلم النبوي خسارة كبرى للبشرية والإسلام. ولو رجعنا إلى مقدار رواية الكثير من الصحابة عن النبي الخاتم -صلى الله عليه وآله وسلم- لوجدنا أرقاماً كبيرة . فعائشة تروي أكثر من ألفي حديث خلال( 8 ) سنوات من معاشرتها ، وقد تزوجها النبي محمد -صلى الله عليه وآله و سلم- بعد غزوة بدر في شوال سنة 2 هـ أي بمعدل 276 حديث تقريباً في كل سنة.
قال الحافظ الذهبي في السِّيَر : مسند عائشة ألفين ومئتين وعشرة أحاديث . اتَّفق لها البخاري ومسلم على مئة وأربعة وسبعين حديثاً وانفرد البخاري بأربعة وخمسين وانفرد مسلم بتسعة وستين ، وروى أبو هريرة ( 5374) حديثاً خلال أقل من أربع سنين قضاها مع النبي -صلى الله عليه وآله وسلم - إذ أنَّ أبا هريرة أتى عام خيبر وهو سنة( 7 ) للهجرة كما روي في تأريخ خليفة بن خياط وفيها أي السنة السابعة أسلم أبو هريرة وعمران بن حصين زمان خيبر.
وقال ابن عبد البر: أسلم أبو هريرة وعمران بن حصين عام خيبر ، ابن عبد البر في الاستيعاب (1/374) الحديث (2/485) وبالتالي فهو يسمع ويروي( 1343)حديث في السنة إذا علمنا أنَّ شهادة النبي -صلى الله عليه وآله وسلم - كانت في بداية عام 11 للهجرة في شهر صَفَر .
فالكثير منهم قد لعبت السياسة دورها بنقل تراثهم المليء بالغث والسمين والذي إذا ما وضعناه في مجهر النقد العلمي، لوجدنا عدداً منها يسيء إلى الله عز وجل وإلى عظمة النبوة الخاتمة ، وإلى مكانة الأنبياء، فراجع كتاب أبي هريرة للمرحوم أبو رية .
وفي المقابل نجد أن أهل السياسة من ملوك آل أمية وآل العباس تعمّدوا إخفاء هذا التراث الكبير الذي رواه العباس -عليه السلام- عن أبيه أمير المؤمنين -عليه السلام- وبذلك خسـرنا هذا الإرث العباسي الكبير ، ولو وصلنا لرأينا كثيراً من الأحاديث المهمة التي نقلها العباس -عليه السلام- وربما أيضاً نسمع من سيدنا العباس-عليه السلام- تعليقاته المهمة وشرحه العلمي المميّز على هذه الروايات النبوية التي تنقل لنا صورة من فقه وعلم العباس الأكبر ، الذي حُرمت الأجيال منه بسبب سياسات الظلمة من بني العباس وأسلافهم .