مظاهر الحياة الشعبية في كربلاء
الحلقة الاولى :
مما لا يختلف فيه اثنان أن مدينة كربلاء المقدسة يقصدها مختلف الأجناس والشعوب من المسلمين وغير المسلمين للتبرك بالعتبات المقدسة فيها والإطلاع على الأماكن السياحية والأثرية . ومنهم من آثر السكنى مجاورة لضريحي الإمام الحسين وأخيه العباس -عليهما السلام- . ومما يجدر التنويه به أن الطابع الذي تتسم به المدينة طابع ديني، وهي بلد زراعي يشتهر بوفرة البساتين .
أن مظاهر الحياة الشعبية والتقاليد والأعراف تكاد تكون بعض الظواهر الاجتماعية في المدينة وهي ذات طابع خاص في مختلف شؤون الحياة والعمل، كالفن والصناعة وعادات الزواج وطرق التسلية وتنظيم الأسواق والمحلات ومن ثم نشوء حرف جديدة تعتمد على الذكاء ونشوء حالة أولدتها انصهار اختلاط الشعوب التي أوفدت ببعضها من ناحية وبسكان المدينة الأصليين من ناحية أخرى .
وهناك عدة مهن وصناعات شعبية مهم كان لها شأن كبير في الجيل الماضي وأهمية لا تنكر لحاجة الناس إلى أصحابها أولاً والدخل الوافر نسبياً الذي كانت تدره هذه المهن على القائمين بها ثانياً،وهي تشكل حاجات الفرد الاقتصادية والمعيشية . ومن ابرز اعمدة مظاهر الحياة الشعبية في كربلاء في الجيل الماضي التي ساهم بصناعتها سكان كربلاء المقدسة :
الفلاحون :
والفلاحة يعتاش عليها أبناء كربلاء من مختلف الطبقات باعتبارها مهنة الآباء والأجداد ، ووجود البساتين التي يسقيها نهر الحسينية الذي يتفرع من نهر الفرات ويصب في هور أبي دبيس، ويتفرع منه نهر الهنيدية الذي يروي جانباً آخر من بساتين كربلاء . ولذا صرنا نرى أن كربلاء مصدراً مهماً لإنتاج مختلف الحمضيات وكذلك الفواكه الأخرى التي تصدر إلى بغداد والمدن المجاورة . كما وإن للفلاحين عادات وتقاليد ابتداء من معرفة تامة بأصول الفلاحة وانتهاء بوضع تقويم خاص يفصل شهور السنة وفقاً للمواسم الزراعية .مجلة التراث الشعبي العددان 6و 7 (10 أيلول 1965) السنة الثانية .
الخفّافون :
وهم الذين يقومون بصناعة الأحذية . وهي من الصناعات المحلية المشهورة في كربلاء ،ويصدر منتوجها بكمية كبيرة نسبياً الى بغداد والمدن المجاورة ، وتتسم هذه الصناعة بطابع الجودة في الإنتاج وكذلك في المعامل الخاصة التي تكاد تزدحم حوانيتها في شارع علي الأكبر ..
الصفّارون :
يروي بعض المعمرين أن سوق العرب اليوم كان يعرف بسوق ( مدك الطبل) ، وقد أنشئ منذ قرنين . وكان الصفّارون يصنعون من ألواح الصفر الواردة من بغداد مطارق وسنادين . ولدى نشوب الحوادث السياسية التي قامت بها كربلاء ضد الحكومة العثمانية، جمع الثوار جميع هذه الأواني النحاسية وصبّوها، مدفعين لمقاومة جيش الحكومة وذلك في حادثة المناخور التي تعرف بحادثة داود باشا سن 1241هــ وكان سوق الهرج الذي انشئ منذ قرن ونصف الواقع في وسط المدينة محلا لصنع الأواني والقدور .مجلة التراث الشعبي العدد 1 ( تشرين الثاني 1964) السنة الثانية .
الكند كارية :
وهذه المهنة معروفة في كربلاء منذ أمد طويل ، يراد بها صناعة صب قراضات النحاس وإبدالها الى قطع معدنية . والكند كارية لفظة فارسية تتركب من كلمتين الأولى ( كنت ) بمعنى ( الصب) والثانية ( كار) بمعنى ( العمل) . ولا تزال هذه معمولاً بها في كربلاء .
مبيضو القدور
وهي من الحرف البارزة في كربلاء وأن عمل المبيضين يقتصر على تبييض القدور والأواني النحاسية وغيرها . وما تزال حوانيتهم باقي حتى الآن حيث يزدحم بعضها قرب سوق الصفارين . مجلة التراث الشعبي العدد 1 ( تشرين الثاني 1964) السنة الثانية ..
النجارون :
وسوقهم لا يزال يعرف حتى اليوم بسوق النجارين ،وحوانيته تقوم على جانبي الطريق ،ويعمل أصحابه بصنع مختلف الأثاث الخشبية وهناك معامل لنشر الخشب وقصه . ومنها المحلات الخاصة بزخرفة الأبواب . وهناك نوعان من النجارة القديمة التقليدية وهي صناعة ما يحتاجه القرويون من أدوات الزراعة كالفدان والمذراة ومقابض الفؤوس وأدوات منزلية بسيطة . والنوع الثاني من النجارة هي الحديثة وتشمل صناعة أبواب البيوت والشبابيك وصنف آخر متخصص بصناعة الموبليات وفق أحدث الطراز .
السقاؤون :
وكان السقاؤون يزاولون هذه المهنة منذ أمد بعيد، وكانوا يحتفظون بالماء صيفاً وشتاء في الخان المعروف ب ( خان الباشا) الواقع جوار الصحن الحسيني الذي توضع فيه ( أحباب ) قاشانية يومذاك ويجلب منه الماء لقاء أجور بسيطة للشخص المسؤول عن الخان . وكان السقاؤون يملأون جرارهم من تلك الحبوب ويأتون بها إلى الصحنين المقدسين لتقديم الماء للزائرين . وهناك من السقائين من يتعامل مع أصحاب الحوانيت فيؤدون السبيل وتمنح لهم أجور أسبوعيا التماساً للثواب مجلة التراث الشعبي العدد 1 ( حزيران 1966) السنة الثالثة .
الندافون
والنداف يعمل في حانوت خاص يستأجره لأجل مهمة ندف القطن لخياطة الأفرشة . وهو يستلم أجرة الندف والخياطة إذا أعد له صاحب الحاجة القماش والقطن ، وكان القطن معروف بــ ( التاج محلي) يزرع في كربلاء قديماً لتموين حوانيت الندافين . أما اليوم فقد انقطعت زراعته .