لم تكن ثورة العشرين سوى حصيلة جهود ومثابرة وعمل مضنٍ، والتي لم يبخل بها العراقيون سواء بجهادهم عن طريق الفكر والقلم، أو التضحية بالنفس والنفيس، لقد قامت بهذه الثورة شرائح وطبقات مختلفة من الشعب العراقي وكلهم ساهموا بالجهد الجهيد في سبيل بلورة أفكار هذه الثورة وإخراجها إلى النور، وكان هناك عاملان مهمان في إنجاح هذه الثورة، وهما العامل الروحي المتمثل في تزعم العلماء لهذه الثورة مما يضفي عليها الطابع الديني ونيل الشهادة التي من ثمارها الجنة، وكانت لفتاوي المرزا محمد تقي الحائري الأثر الكبير في ذلك، والعامل الثاني هو أن العراق كان بخير نتيجة انتهاء الحرب العالمية الأولى، حيث أن هذه البلاد تكون مصدراً للتموين بالنسبة للدول المتحاربة، حيث أن احتياجها للمواد الزراعية ومواد آلتها الحربية، كل ذلك انعكس على سعة موارد أهل العراق، حتى أن السيد نور الباسري صرف من ماله على الثورة ثلاثين ألف ليرة ذهباً، كما جاء من مذكرات شمس الدين القزويني(المخطوطة).
إن ثورة العشرين وما عكسته من نتائج وآثار على الرأي العام العالمي عامة والبريطاني خاصة أثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن الهيمنة الاستعمارية على العراق مستحيلة، وبذلك أعطت ثورة العشرين المفتاح لفتح باب الحكم الوطني والاستقلال للعراق.
لقد كان للعرب قوة دافعة من الناحية الدينية سواء في نشر الإسلام في الجزيرة العربية أو في الفتوحات الإسلامية وكذلك في الحروب الصليبية في تحرير بيت المقدس.
وبما أن مدينة كربلاء كانت تتمتع بمميزات كثيرة إبان انتهاء الحرب العالمية الأولى، فهي مدينة دينية مقدسة، وفيها جمهرة من العلماء وعلى رأسهم الميرزا محمد تقي الحائري الذي آلت إليه رئاسة الحوزة العلمية والدينية، وكذلك فيها طبقة متنورة ومثقفة، عملت أحداث الحرب العالمية الأولى على بلورة أفكارها في طلب الاستقلال، كل ذلك جعل من مدينة كربلاء محوراً لأحداث الثورة في التهيئة والإعداد والتوجيه ونشر الثورة وديمومتها في كافة أنحاء العراق، وهذا يظهر واضحاً في المبعوثين الذين كانوا يحملون رسائل الميرزا محمد تقي الحائري، وكان من أخريات تلك الرسائل أن فتحت جبهة الأنبار، حيث تسلم الشيخ ضاري رسالة من المرزا محمد تقي الحائري وعندها أعلن الثورة في الجبهة الغربية من العراق، وقد أشار ويلسن في مذكراته بأن مئات من المندوبين كانوا يحملون رسائل الحائري في الدعوة للثورة، كما أشارت إلى ذلك مس بيل في مذكراتها أيضاً. إن اجتماع ليلة النصف من شعبان سنة 1338 هجرية وهي زيارة خاصة بالإمام الحسين -عليه السلام- حيث تصادف ليلة ميلاد الإمام المهدي -عليه السلام- اجتمع قادة الثورة عند الميرزا محمد تقي الحائري من كافة أنحاء منطقة الفرات وعاهدوه على المضي في الثورة، وأقسموا يمين الولاء عند مرقد سيدنا الإمام الحسين -عليه السلام -وكان محمد جعفر أبو التمن ممثلاً للحركة الوطنية في بغداد، حيث أرسل من قبلها للوقوف على مراحل إعلان الثورة.
إن كل ذلك يظهر بوضوح دور كربلاء في هذه الثورة التي هي بحق الحجر الأساس لاستقلال العراق وما كان ذلك ليتم لولا ما حصل بفضل ثورة العشرين المظفرة.
كربلاء المقدسة ...مهد ثورة العشرين