ان دراسة شخصيات العظماء الذين ساهموا في بناء صرح الحضارة الايمانية التي اسسها الانبياء ، وحملوا شعلتها الوضاءة عبر التاريخ وساندهم في ذلك البناء الروحي والمادي الاوصياء وابنائهم وصالحي اممهم تعطي انطباعا جميلا حول الارث المعرفي الذي نقلوه للاجيال المعتنقة لافكارهم النورانية ،والعباس - عليه السلام - من اوائك العظماء الذي سقوا شجرة الحضارة الايمانية بدمه الشريف، واعطى للاجيال امثولة ومنظومات متكاملة من قيم ووعي تساهم في اسعاد بني البشر وتساعد على رقيهم في سلم التقدم والتحضر.
ومن الامور التي نتوقف عندها في سيرة العباس - عليه السلام - هو ما خلفه من بعده من تراث علمي وحربي وانساني ومن ذلك الارث الحربي ترسه الذي كان قد قاتل بيه يوم عاشوراء .
جاء في كتاب تذكره الشهداء للملا حبيب الله الكاشاني: يروى انه حينما دخل أهل البيت - عليهم السلام -المدينة: أقبلت أم البنين - أم العباس - عليه السلام - إلى زينب الكبرى ، وقالت :يا ابنة أمير المؤمنين أين أولادي؟.
فقالت زينب - عليها السلام - : قد قتلوا جميعا .
فقالت ام البنين : أرواحهم لروح الحسين فداء وأين ولدي الحسين ؟
فقالت زينب - عليها السلام -: قتلوه عطشانا.
فلما سمعت أم البنين ذلك ضربت بيديها على رأسها وجعلت تصرخ وتنادي واحسيناه .ثم قالت لها زينب - عليها السلام - : أتيتك بذكرى من ولدك العباس - عليه السلام -.
فقالت ام البنين- عليها السلام -: وما هي فأخرجت زينب ترس أبي الفضل والملطخ بدمه الزاكي من تحت أزارها ،ولما رأت ام البنين - عليها السلام - ذلك تفطر قلبها حزنا ولم تتحمل فوقعت مغشيا عليها انتهى.
قلنا :هذا الترس والراية ومغزل فاطمة- عليها السلام - وغيرها من تراث الامام الحسين - عليه السلام - وتراث ابي الفضل - عليه السلام - سلبته الماكنة العسكرية الأموية وحملته إلى يزيد، ولما عاد الامام السجاد - عليه السلام - الى كربلاء من الشام أتى بهذا التراث العباسي والذكريات الحسينية .
فحينما أُوقف الإمام زين العابدين - عليه السلام - أمام يزيد بن معاوية بعد واقعة كربلاء، طالب الإمام - عليه السلام - بالأشياء التي سلبت من خيمة أبيه الحسين - عليه السلام -فقال له يزيد (لعنه الله): وما فيها ؟
فقال الإمام - عليه السلام -: إنّ فيها مغزل امنـّا فاطمة.
وقد يسأل سائل فيقول: وما قيمة المغزّل حتى يطالب به الإمام زين العابدين - عليه السلام -؟
الجواب : انه ذكرى مميزة من سيدة نساء العالمين - عليها السلام - ، فهذا المغزل قد لامس يد الزهراء القدسية ،وهو تراث مهم بالنسبة لمحبيها وعشاق الحق المتجسد فيها .
ولو وجد اليوم ترس ابي الفضل - عليه السلام - لأصبح كنزا من التراث العالمي الذي يربط الاجيال بعطاءات العباس - عليه السلام - وشجاعته .