يا من اسس الفضل والإبا
استفسر بعض الاخوة عن البيت الشعري الشهير:
أبا الفضل يامن أسسّ الفضل والإبا
أبى الفضل إلاّ أن تكون له أبا
لمن ينسب ؟ وماذا يعني لفظ الاباء الوارد في صدر البيت ؟
فقلنا : البيت من قصيدة شعرية طويلة للشاعر السيد راضي بن السيد صالح بن السيد مهدي الحسيني القزويني النجفي البغدادي وهو شاعر موهوب . ولد في النجف الاشرف عام 1235 هجرية ،ونشأ بها ودرس على والده مبادىء العلوم والاصول والادب واستمد من مجالس النجف الاشرف ومن أعلام الادب روحا أدبية عالية ، ساجل فحول الشعراء وباراهم ، ولما انتقل أبوه الى بغداد انتقل معه عام 1259 وسافر الى ايران أكثر من مرة واتصل بالشاه ناصر الدين القاجاري وكانت له منزلة في نفس الشاه ومكانة سامية ، كما كانت له صلات مع أمراء العراق في عهد الدولة العثمانية وتجد في ديوانه كثيرا من التقاريظ والموشحات لشعر عبد الباقي العمري والسيد حيدر الحلي وغيرهما توفي بتبريز في شهر المحرم عام 1285 هـ والمصادف 1868 م ونقل جثمانه الى النجف فدفن تحت الميزاب الذهبي في الصحن الحيدري.
ومعنى الإباء لغة: (أبى الشيء يأباه إباء وإباءة بكسرهما كرهه، والأبيّة التي تعاف والتي لا تريد عشاء، وأبيت الطعام كرهته، ورجل أبيّاً محرّكة أمتنع فهو آب وآبى....)وقال في النهاية: (الإباء أشدّ الأمتناع).
معنى الإباء عقلا :
هو كالمعنى اللغويّ وهو الأمتناع من المذلّة وهو كما علمت نتيجة الشجاعة. قال في سلوك المالك: الانفة وهي نبو النفس عن الاُمور الدنيّة.
وقال أبن مسكويه في تهذيب الأخلاق: وأمّا الشجاعة فإنّ صاحبها يسمّى آنفاً وغيوراً ألخ.
وما ذكره هذا الفيلسوف مقتبس من كلام العرب فإنّهم يرون تضحية النفس في سبيل حفظ الشرف وعدم الأنقياد للسلطة الجائرة الجبّارة متجاوزاً حدّ الشجاعة ويسمّون الاتّصاف بها إباء وأنفة وحميّة فيقولون للمتّصف بها: حمي الأنف وأبي الضيم، ويقولون: فلان غيور فخور أنف، وفلان دو أنفة كلّ هذه الألفاظ تطلق على من تجاوز وصف الشجاعة إلى وصف أرقى منها وأنبل وكانت هذه الصفات من ممّيزات بني هاشم وشعار الحماة من آل عبد المطّلب،كما في بطل العلقمي للمظفري رحمه الله.
واختص بلفظ ( ابي الضيم ) الامام الحسين- عليه السلام - واهل بيته ، ولم يعرف سواهم في تاريخ العرب وهم الذين اسسوا منهج الاباء وعرفوه للناس على مر العصور ، قال أبن ابي الحديد الكاتب المعتزليّ في شرح نهج البلاغة: (سيّد أهل الإباء الذي علّم الناس الحميّة والموت تحت ظلال السيوف أختياراً له على الدنيّة ابو عبد الله الحسين بن عليّ بن أبي طالب - عليه السلام -،عّرض عليه الأمان هو وأصحابه فأنف من الذلّ وخاف أبن زياد أن يناله بنوع من الهوان مع أنّه لا يقتله فأختار الموت على ذلك).
ومن تلى تلو الامام المعصوم ابي الضيم الامام الحسين - عليه السلام - وتأسى في منهج الاباء هو خادمه العباس بن علي - عليه السلام -، ومن اباء العباس - عليه السلام - ما نقل في التاريخ : وجاء شمر حتّى وقف على أصحاب الحسين - عليه السلام - وقال: أين بنوا اُختنا؟
فخرج إليه العبّاس وجعفر وعثمان بنو عليّ فقالوا له: مالك وما تريد؟ فقال: أنتم يابني اُختي آمنون، فقال الفتية: لعنك الله ولعن أمانك وإن كنت خالنا أتؤمننا وأبن رسول الله - صلى الله عليه واله - لا أمان له، إنتهى.